قُطوفٌ مِن يمينِ العرش (كريم صبري الناصري)

مُنذُ أن خَطَّتِ السَّماءُ الغُيُوبا

وَهَوَى البَوْصَلاتِ يَمْحُو الدُّرُوبا

وَحُقُولٌ مِنَ المَخاضاتِ ثَكْلى

أنْبَتَ الفَقْدُ فَوْقَهُنَّ خُطُوبا

يَرتَدِي الوَقْتُ صَمْتَهُ كالمَرايا

وَعَلى ضَوْئِهِ يَرُشُّ المَغِيبا

كَمْ سُباتٍ عَلى مَلامِحَ تَحيا

غَثَياناً قَضَى بِأنْ لا يَثُوبا

أركُبُ النَّأيَ قاطِعاً أمَدَ المُعتادِ

أمْضي لا مُخْطئاً لا مُصِيبا

فإذا بِي عَلى حُدُودِ المَنافي

أَجِدُ اللهَ يَسْتَحِثُّ القُلُوبا

وَفَتًى في يَدَيْهِ تَزْدَحِمُ الشَّمْسُ

وَفي مُقْلَتَيْهِ يُفْشِي الغُرُوبا

يَطَأُ الأرضَ كالزَّلازِلِ يَجْتاحُ

عَدُوَّاً يَرَى المَفازَ هُرُوبا

كَفُّهُ النَّازِلاتُ تَجْري كَرِيْحٍ

عاصِفٍ لا تُجِيدُ إلَّا هُبُوبا

هُوَ عِملاقُ رهبةٍ لا تُجارى

قَلَبَتْ هِمَّةَ العُتاةِ شُحوبا

هُوَ حَظُّ الذِينَ قالُوا فَصالُوا

لَمْ يَكُ الأمرُ قِسْمَةً وَنَصِيبا

في هوى كربلاءَ أجرَعُ صمتي

لينوبَ الأنينُ عنِّي خطيبا

كانَ شِعري مِنْ قَبْلِهِ مُسْتَحَبًّا

فَتَنامَى عَلَى يَدَيْهِ وُجُوبا

كَمْ تُنادِيهِ في جَبيني القَوافي

وتُناجي العَرُوضُ فِيْهِ الضُّرُوبا

أيُّها الغاضريُّ مِنْ رَحِمِ الجُرحِ

أتى نُورُكَ المُزانُ خَضيبا

أيُّها المستديرُ حَيْثُ أرادَتْكَ

السَّماواتُ فاصطَفَتْكَ قَريبا

مُنْذُ أن كَوَّرَتْكَ قَلْباً أهالَتْ

فَوقَ جَنْبَيْكَ مِنْ شَذاها طُيُوبا

قد تمادى بعهدِكَ البذلُ شُحًّا

فوهبتَ الندى رضيعاً مَهيبا

كَتَبَ اللهُ فيكَ أن لا تُضاهى

وَعَنِ المَوْتِ فِيهِ أن لا تَتُوبا

جِئتَ مِنْ أمسِكَ المُعَبَّأِ بالفَخْرِ

فَأنجَزْتَ ما وَعَدتَ المَشِيبا

جِئتَ تَروِي شَهادَةً فِيكَ ظَمْأى

لم تَزَلْ تَسْتَدِرُّ رَبَّاً مُجِيبا

فارِساً يَطرُقُ البَيَانَ اقْتِحاماً

كُلَّما غَنَّتِ الحُرُوفُ الحُرُوبا

كم لئيمٍ تَراكَمَ الحِقْدُ فِيهِ

جاءَ يَحدو آمالَهُ لِتَخِيبا

قَد تَلاشى فَلا يَوَدُّ وُجُوداً

وَتَهاوَى فَلا يُطيقُ وُثُوبا

دَمُكَ المُسْتَباحُ أورثَ يُتْماً

لم يزَلْ يعزِفُ السنينَ نَحِيبا

لَقَدِ اسْتَصرَخَتْكَ آهَةُ مَوْتٍ

في عُضالاتِنا فَكُنْتَ الطَّبِيبا

في زمانٍ عَلى شَفا حُفَرِ النَّارِ

تَطاوَلْتَ فَاقْتَلَعْتَ اللَّهِيبا

زُرتَهُ يَلْفِظُ الحَياةَ احْتِضاراً

بَيْنَ سِرْبٍ مِنَ المَنايا غَريبا

في أَساكَ النَّبيلِ ألْفُ بَياضٍ

فَضَحَ العالَمَ الأذَلَّ المُريبا

لَكَ في غَمْرَةِ الهُدى حَسَناتٌ

لم تُساوِمْ عَلى البَقاءِ الذُّنُوبا

مِلْتَ عَنْ ضَجَّةِ المَراتِبِ لكِنْ

لَكَ أضْحَى أجَلُّها تَرتِيبا

لم يَكُنْ هَيِّناً حِيازَتُكَ المَجْدَ

وَلكِنْ بَذَلْتَ عُمْراً عَصِيبا

فانْتَقَتْكَ السماءُ هَيْكَلَ صبرٍ

هاشميًّا مُهَشَّماً مسلوبا

فُزْتَ ((والعادِياتِ ضَبْحاً)) بجاهٍ

تَتَفَيَّا بِرَوْحِهِ مُسْتَطيبا

((جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ

أُعِدَّتْ للمُتَّقِينَ)) … فَطُوبى

……