بحيرةُ ورد

حكاية الدم الذي أزهر حباً وكرامة صبيحة سال من شرايين
( الحسين ) عليه الســلام فأوغل في شرايين الخلـــود

إلى الله فوقَ براقِ المواجعِ في ذكرياتكَ
يسمُو بنا الشعرُ أطيارَ حزنٍ ترفرفُ بينَ الحروفْ
فينكشفُ الجرحُ عن مأتمٍ للجمالِ
يسائلُ :
ماذا تخبئُ خلفكَ من أغنياتٍ !!
يلحنّها الحبُّ للعاطلينَ عن الحبِّ
في كلِّ عامٍ يبيعونَ باسمِ العزاءِ جراحكَ
حينَ احتوتكَ السيوفْ
فخُذنا عريسَ الشهادةِ
ها نحنُ نطبعُ فوقَ جبينِ ( طفوفكَ )
مقطعَ أحلامِنَا فانتهينَا إليكَ
أتيناكَ ظمأىً كيومكَ يُلهبنا الشوقُ سوطاً
نجرجرُ قيدَ العذابِ الأليمِ ..
نلمُّ خطاكَ التي أزهرتْ بالفدى
فوقَ أرضِ ( الطفوفْ )
فتعشبُ فينا صلاةً سماويةً
وحقولاً من المجد تزهو ، وبيدرَ عزٍّ وحرّيةٍ
وقافيةً منْ حتوفْ
تحلّقُ فيها طيورُ الكرامةِ مجداً
وركبُ الأماني عليها يطوفْ

ـ 2 ـ

وجرحُكَ يروي عروقَ الفداءِ برغم الفضاءِ اليبابِ
وعطرُ الشهادةِ في ( كربلائكَ ) يزكو
يعيدُكَ منكَ إلينَا
نضارةَ صبحٍ لهذي الحياةِ برغم الدخانِ ورغم الخسوفْ
و ( عاشورُ ) أيقونةٌ للوجودِ
نطلّ عليكَ ..
نراكَ بكلِّ الوجوهِ الثكالى
تَفَتَّقتَ سنبلةً من جراحٍ
إلى أن تدلَّتْ علينا القطوفْ

قرأناكَ في أعينِ البؤساءْ
أماناً كبيراً
يسيّج تلكَ القلوبَ التي أفزَعَتها الفجيعةُ في ( كربلاءْ )
وحُلماً جميلاً يداعبُ جفنَ العيونِ التي أسهبتْ في العذابِ
يغلِّفُها الحزنُ والشوقُ والذكرياتُ
لأجلكَ يا جنةَ الشهداءْ
تهاوى بها السهدُ مجروحةً في الظلامِ
على شفرةِ الحزنِ مغموسةً في البكاءْ
سقطتَ فسالتْ دماكَ
بحيرةَ وردٍ يجدفُ فيها الإباءْ

ـ 3 ـ

وكانَ ( الفراتُ ) حزيناً
يلملمُ ضوءَ الشموسِ
ويرحلُ نحو الخفاءْ
تموتُ الطيورُ على شاطئيهِ
وتسقطُ ظمأى
وتهوي الأزاهيرُ من ( هاشمٍ ) ..
ويخرُّ الصحابُ ..
تجفُّ على الطينِ آثارُهمْ
مطاعينَ ..
أشلاؤهمْ مسكنٌ للرياحِ
وطلاّبِ حقٍّ
قد ابتكرُوا الموتَ نهجاً
على أن يهانُوا
فمدّتْ عليهمْ نخيلُ ( العراقِ ) ظلالَ المساءْ

وأكرمْ بِها أن تسيلَ الدماءْ
فمن هاهنا الابتداءْ
إلى هاهنا الانتهاءْ
ويا أيُّ هذا المجرّدُ من كل شيءٍ
سوى العزّ يومَ المحرّمِ
تندى عليه الورودُ ..
تزاورهُ الطيرُ بينَ النبوةِ جسراً وبينَ الإمامَهْ
يموتُ وكفّاه مرفوعتانِ
علامةَ رفضٍ

ـ 4 ـ

ويرفعُ للحقِّ هامَهْ
رأيتُكََ فوقَ ثغورِ المنايَا
علَى عَرَصاتِ ( الطفوفِ )
طريحاً يُحاصركَ الجيشُ ملقىً
وأنتَ تنادي : كرامَه كرامَهْ

أقول :
خطرتَ ببالي
فقمتُ أبلِّغُ باسمكَ كلَّ الرسالاتِ
من أوّلِ الشعرِ حتّى انتهاءِ القصيدَهْ
وكنتَ تضيءُ قناديلَ روحيَ
عزماً
بكلِّ الدروبِ
وتدلقُ فيهَا زيوتَ العقيدَهْ
وإن السيوفَ التّي مزَّقتكَ
وغاصتْ بنحركَ حدَّ الصبابةِ
أذكَتْ فتيلةَ جُرحي وأَورَتْ وقيدَهْ
فداؤكَ قلبي
فأيكمَا اليومَ تحتَ السنابكِ
حزُّوا وريدَه !!

ـ 5 ـ

وفي ( الطفِّ ) كانَ الإلـهُ
عليكَ يعَوِّلُ
في أنْ تعيدَ الحياةَ لوجهِ الحياةِ
يُعدُّكَ فتحاً مبيناً
ونصراً لكل المعاني المجيدَه
سقطتَ ولم تسقطِ الأمنياتُ ..
تأرَّجتَ نسمةَ لطفٍّ من الخلد هبتْ
وما جفُّ نُبلُكَ
إذ كنتَ أنتَ على الأرضِ
رغم المنيّةِ .. رغمَ الجراحاتِ
رغم اغترابكَ
حلمَ النفوسِ الشريدَهْ
ورأسُكَ مازالَ فوقَ الرماحِ
يرتلُ سِفْرَ البطولةِ ..
يقرأُ باسمِ الإباءِ نشيدَهْ
سلامٌ عليكَ .. على ( كربلاءَ )
على كلِّ روحٍ بيومكَ
خرّتْ بفيضِ الدماءِ شهيدَهْ

حُلمٌ يطفو بريشِ ملاك

الأمنياتُ رصيفٌ … والرؤى سَفَرُ
من أوّلِ الحبِّ قلبي كان ينتظرُ

من أوّلِ الشوقِ كان الدّربُ يُومئُ لي
وكنتُ أبصرُ مالا يُدركُ النّظرُ

أمضي إليك وشِعري بعض أمتعتي
ومن ورائي تسيرُ الشمسُ والقمرُ

نمضي ..ومن خلفنا الأنهارُ تعرفنا
“والخيلُ والليلُ والبيداءُ “*والزّهَرُ

العاشقون على أبوابكَ ازدهروا
والشانئون بكفِ الريح قد نُثروا

أنت الطريقُ.. ومعنى السيرِ.. “هيتَ لنا”
لنعبر الغيبَ فيمن بالهوى عبروا

حُلمي أصابعُ غيمٍ ..لهفتي ودقٌ
أطفو بريشِ ملاكٍ ثم أنهمر..

أضمّ بين كفوفي ما تفايض من
غناءِ حوريةٍ بالنورِ تستترُ

عيناي رقصُ فراشٍ في حقول سنًا
عيناك منبعُ ضوء ..حيث أنصهرُ

أفنى ..وأخُلَقُ في نارِ الهيامِ وما
غير التّوحُدِ لي في المنتهى وَطَرُ

لا شيء يُشبهُ وجهي حين ترمقني
أعلو ..أطيرُ ..أغني ..تُومضُ الصورُ

ما كنتُ إلا ترابا منك بي عبقٌ
لولاهُ ما اخضرّ قلبي وادّلى ثّمرُ

لولاهُ عمريَ فانوسٌ بلا لهبٍ
لولاهُ قلبي جبٍّ.. خفقتي حجرُ

لولا جمالكَ هل لي في الجمالِ هدىً
ويوسفٌ حين يستجليكَ ينبهرُ

ولو زليخة تدري عنكَ ..عن ولهي
بكت عليّ طويلا ..كيف أصطبرُ

أرسلتُ هدهدتي حتى تجيءُ بما
يشاعُ عنك ..فلا حِسٌّ ولا خبرُ

مزّقتُ أقمصة الأشعار ..بحتُ بما
تشي لحوني ..حتي أُذْهِلَ الوترُ

كمثل مريم هزّت جذع نخلتها
أهزُّ خصر سمائي تسقطُ الفِكَرُ

كما تحيكُ عروسُ الفجرِ طرحتها
كما يُرتّلُ غيمَ المشتهى مطرُ

كما عذارى النجومِ الغافيات
على بروجها لَهَفًا ..والتوقُ ينفجرُ

وقبلةٌ من شفاهِ الوحي تُوقظها
تشفّ أحداقها ..والوهجُ يُبتكرُ

كطفلةٍ باتساعِ الكونِ ضحكتها
في ثغرها بلبلٌ.. في كفها شجرُ

أو مثل ناسكة تخلو بصومعةٍ
حيطانها مرجُ البحرين والدُّررُ

لا لهو يُشغلها ما دمتَ شاغلها
سكرى وإن لم تذُق خمرا ..وتَذّكِرُ

سبحان نورك خرّ القلب مُنصعقا
=لما تجليتَ= حتى كدتُ أنشطرُ

“حسينُ ” يا ليتني ذرٌّ يحُوم على
شباّكِ قبركَ.. أو بين الخُطى مَدَرُ

دعني أبوحُ وهل في البوح متسعٌ
حبي مُعَلّقةٌ لو كنتُ أختصرُ

خذني بقربكَ ..-عينُ الله شاهدةٌ-
تنور شوقيَ بالطوفان يستعرُ

وصفحتي بدموعِ الحبرِ مورقةٌ
في كل مأتم وردٍ للندى أثرُ

دعني أنوحُ كما نوح الحمامِ على
زنديكَ حين يقولُ الحزنُ ..: لا وَزَرُ

دعني ألملمُ عشقي كل أمتعتي
خذني بكلّيَ لا تُبقي ولا تَذَرُ

إني عجلتُ لترضى خُذ بقافيتي
من أولِ الشّطر قلبي كان ينتظرُ

تجليات ورؤى

   

إسكان سلماباد

 

أَتَى مِنْ أقاصي الغُيوبِ يُدَلّلُ في كَفّهِ الأُمْنياتْ

أَطَلَّ ربيعاً
يسافِرُ في زَحَمَةِ الذّكْرياتِ
و تَقْفو خُطاهُ الهَواجِسُ تَبْحَثُ عَنْ ما تَبَقَّى مِنَ الأُغْنِياتْ
يُطَيّرُ سِرْبَ الحَمامِ الأخيرْ
و يَعْزِفُ لحَناً عَلى جُرِحِهِ .. و يَفْتَحُ لِلِشَّمْسِ أَبْوابَهُ
و يَغْرُسُ في غَيْمَتينِ العَبيرْ ..!
يُهاجِرُ مِنْ وَحْشَةِ الصَّمْتِ / غُرْبَةِ مَوْتٍ
إلى أُخْرَياتِ الكَلامْ
و يَتْرِكُ أَسْماءَهُ في المَهَبّ
مُأَرْجَحَةً تَسْتَفِزُّ الظَّلامْ ..!
و يَرْحَلُ يَرْحَلُ و البِدْءُ آخِرَةُ الخاتِماتْ ..!

هُنالِكَ
حَيْثُ السُّؤالاتُ تَطْفو و تَغْرَقُ
عِنْدَ انبلاجِ الرُّؤى
نَأى عَنْ عُيونِ المَسافاتِ ، خَيَّمَ خَلْفَ شِتاءِ اللَّيالي
و عَنْهُ التِماسُ الشَّذى ما نأى

رَبيعِيَّةٌ تِلْكَ أَحْلامُهُ
مُبَلَّلةً بِخَفِيّاتِهِ المُلْهِماتْ ..!

يُفَتّشُ حَتَّى المَرايا لَعلَّ الوجوهَ تُخَبّئُها الأقْنِعَهْ
و تُخفي السَّوادَ فتِلْكَ بِها طالَما قَدْ
تَشابَهَتِ الصُّورُ الباهِتاتْ

و صُورَتُهُ خلَّدتْها السُّنونْ
و قَدْ باركَتْها السَّماءْ
فما كانَ مِنْهُ فلا لَنْ يَكونْ
يُرَتّبُ أَقْدارَهُ كَيْفَ شاءْ ..!
و يَسْبِقُ ريحَ الظُّنونْ
يُعيرُ المسافاتِ مِنْ روحِهِ ما يُجَدّدُ رَسْمَ لِقاءٍ مَضى
و ما فاتَ يُدْرِكُهُ مِثْلَما يُدْرِكَ اللَّوْحُ نَزْفَ الدَّواةْ

لَديْهِ مِنَ الصَّبْرِ ما يَزِنُ الكَوْنَ ..
قَلْبٌ مساحاتُهُ باتّساعِ الهوى
و فيهِ انْطَوى ما انْطوى
يُضيءُ الشُّكوكَ إذا اظْلَمَّ في أُفْقِهِ المُسْتَحيلُ و خابَتْ بِهِ المُمْكِناتْ
يُصَلّي و يَنْفَرِشُ الشَّفَقُ المُسْتهامُ عَلى نارِ شَوْقِ انْتظارْ
و مِنْ حَوْلِهِ لِلْمنايا عُيونٌ ..
تُحَدّقُ فيهِ كَما يَسْرِقُ اللَّيْلُ وَجْهَ النَّهارْ
يَؤمُّ ” الحُسَيْنُ ” بُدوراً سَتُخْسَفُ ..
يُثْقِلُهُ الوَجْدُ و الدَّمْعُ لَيْسَ انْكِسارْ
فبَعْضُ الدُّموعِ انْتِصارْ ..!

أقامَ على ضِفْتيْ عِزَّةٍ و ماءُ الحَقيقَةِ نَهْرٌ / فُراتْ
و قَطْراتُهُ اسْتَسْقَتِ الصّدْقَ مِنْ كَفّ ذاكَ المُضَّرْجِ بالكِبْرياءْ
بِرُغْمِ الجِراحْ ..!
تَنَهَّدَ ” عَبَّاسُ ” ما ذاقَ عَذْباً و إيثارُهُ فاقَ حَدَّ اليَقينْ
و أَفْكارُهُ انْشَغَلَتْ ” بالحُسين ”
على ما بِهِ مِنْ ظَما
سَما يَقْرَأُ المَوْتَ ما هَمَّهُ المَوْتُ لَمَّا سَما
تَسيلُ دِماهُ
على الرَّمْلِ يَغْسُلُهُ مِنْ عَذابِ الذُّنوبِ
و مِنْ ما سَيُوْلَدُ مِنْ لَعَناتْ

حَوَتْهُ القُلوبُ ، حَوَتْهُ العُيونُ ، حَوَتْهُ الجِراحاتُ دونَ السُّيوفْ
و أَدْرَكَهُ أَجلُهْ
و لَكنَّهُ خالِدٌ ما احْتَوَتْهُ الحُتوفْ
دِماؤهُ ، روحُهُ ، نَحْرُهُ .. صارَتَ لَهُ رُسُلُهْ ..!
و ظَلَّ و ما ضَلَّ مِثلَ الَّذي حاربوهُ ” بعاشِرِ ” يَوْمِ الطُّفوفْ
يَدُكُّ الرّماحَ و تَنْفَلُّ في غِمْدِ صَدْرٍ و ما فَلَّ عَزَمَ الحَديدِ
سِواهُ الحَديدْ
إذا ” بسمهِ اللهُ ” ثَبَّتَ أَقْدامَهُ و اسْتوى في عُرى الرَّاسِيات

عَلى صَهْوَةِ النَّصْرِ غارَ و راياتُهُ ثَوْرَةٌ وَحْيُها مِنْ بَياضِ السَّلامْ
و إيمانُهُ في يَدَيْهِ إذا ضَربَتْ
تَشَكَّل إيمانُهُ و اليَقينُ بِحَدّ الحُسامْ
فَمَدَّهُ رَبُّهُ كَشْفَ الغُيوبِ و ما هُوَ آتْ
يَشِقُّ الطَّريقَ و ما عاقَهُ أَنَّ مَدَّ الصَّحارى سَرابْ
و ما اشْتَدَّ فيهِ العَذابُ لِفُرْطِ العَذابْ
فَكَمْ كانَ في حَلَكِ الإحْتِضارِ
و يشْمَخُ يَشْمخُ مُسْتَرْسِلاً في ابْتِعاثِ الأملْ
و للْأُمْنِياتِ بَريقٌ و للعِطْرِ مِنْهُ انْسِكابْ
عَلَيْهِ الصَّلاةْ

 

تَجَلّياتٌ و رؤى