شفتِي جَدْبى ، وعيني مُطْفَأَةْ
وطريقِي كيفَ لي أنْ أبْدَأَهْ ؟!
كيفَ أمشي دونما بوصلةٍ
مثلما يفقدُ راعٍ مِنْسَأَةْ ؟!
غيرَ أني لم يزلْ لي أملٌ
ذاقَ منهُ النبضُ حتَّى اسْتَمْرَأَهْ
لي من التاريخِ ما يجعلني
أستعيدُ الجَذْرَ ؛ كَيْمَا أقْرَأَهْ
يومُ ( عاشوراءَ ) ما أعظمَهُ
حينَ يَلْقَى في الأعالي مَرْفَأَهْ
و( الحسينُ ) الآنَ يجتازُ النُّهَى
حاملًا لي الأمنياتِ المُرْجَأَةْ
يملأُ الدهرَ بإكسيرِ النَّدَى
وبغيرِ الحقِّ لا ، لنْ يَمْلَأَهْ
كيف لا ؟ وابْنُ الجلالينِ هدًى
كانتِ السبعُ المثاني مَنْشَأَهْ
ما اصْطَفَى مِنْ روحِهِ إلَّا الفِدَى
ومِنَ القُرْبَانِ إلَّا أكْفَأَهْ
وترامى في الخلودِ المُشْتَهَى
بحصانٍ سرمديٍّ هَيَّأَهْ
هُوَ ذَا آتٍ وفي جُعْبَتِهِ
سهمُ معناهُ الذي ما أخْطَأَهْ
ما الذي قالَ إليه المُنتهى ؟
وضميرُ الكونِ ماذا أنْبَأَهْ ؟
إنَّ في ( الطفِّ ) شعاعًا شاملا
يزدهي ، لا ومضةً مُجْتَزَأَةْ
وفؤادي كربلائيُّ الهوى
جَلَّ مَنْ بالعشقِ يومًا ذَرَأَهْ
الصدى ردَّدَ : ” هلْ مِنْ ناصرٍ “
فإذا بالقلبِ أخلى مَخْبَأَهْ
و( الطِّرِمَّاحُ ) الذي في داخلي
لم يَخُنْ ذاتَ مسيرٍ مَبْدَأَهْ
يتهاوى عُمُري إنْ لم يجدْ
في رؤى أيَّامهِ مُتَّكَأَهْ
كم توضأتُ لفرضٍ آخرٍ
قد تصيرُ العينُ حينًا مَيْضَأَةْ !!
لأبي العِزَّةِ ما أولهني
وحنيني في السُّرَى ما أدْفَأَهْ !!
يا تُرَى : هلْ كانَ جرحًا نازفا
أم هو النجمُ أفاضَ اللألأةْ ؟!
شقَّ في الأرضِ ينابيعَ السَّنَا
قدرَ ما كَيْدُ الدَّياجي أظْمَأَهْ
وطوى الأفقَ برأسٍ شامخٍ
لسوى خالقِهِ ما طَأْطَأَهْ
كانَ لابدَّ لهُ من مبعثٍ
بعدما اسْتَقْصَى المدى واسْتَقْرَأَهْ
برجالِ اللهِ قامتْ ( كربلا )
واستمرَّتْ في عُلاها بامْرَأَةْ
مُنذُ أن خَطَّتِ السَّماءُ الغُيُوبا
وَهَوَى البَوْصَلاتِ يَمْحُو الدُّرُوبا
وَحُقُولٌ مِنَ المَخاضاتِ ثَكْلى
أنْبَتَ الفَقْدُ فَوْقَهُنَّ خُطُوبا
يَرتَدِي الوَقْتُ صَمْتَهُ كالمَرايا
وَعَلى ضَوْئِهِ يَرُشُّ المَغِيبا
كَمْ سُباتٍ عَلى مَلامِحَ تَحيا
غَثَياناً قَضَى بِأنْ لا يَثُوبا
أركُبُ النَّأيَ قاطِعاً أمَدَ المُعتادِ
أمْضي لا مُخْطئاً لا مُصِيبا
فإذا بِي عَلى حُدُودِ المَنافي
أَجِدُ اللهَ يَسْتَحِثُّ القُلُوبا
وَفَتًى في يَدَيْهِ تَزْدَحِمُ الشَّمْسُ
وَفي مُقْلَتَيْهِ يُفْشِي الغُرُوبا
يَطَأُ الأرضَ كالزَّلازِلِ يَجْتاحُ
عَدُوَّاً يَرَى المَفازَ هُرُوبا
كَفُّهُ النَّازِلاتُ تَجْري كَرِيْحٍ
عاصِفٍ لا تُجِيدُ إلَّا هُبُوبا
هُوَ عِملاقُ رهبةٍ لا تُجارى
قَلَبَتْ هِمَّةَ العُتاةِ شُحوبا
هُوَ حَظُّ الذِينَ قالُوا فَصالُوا
لَمْ يَكُ الأمرُ قِسْمَةً وَنَصِيبا
في هوى كربلاءَ أجرَعُ صمتي
لينوبَ الأنينُ عنِّي خطيبا
كانَ شِعري مِنْ قَبْلِهِ مُسْتَحَبًّا
فَتَنامَى عَلَى يَدَيْهِ وُجُوبا
كَمْ تُنادِيهِ في جَبيني القَوافي
وتُناجي العَرُوضُ فِيْهِ الضُّرُوبا
أيُّها الغاضريُّ مِنْ رَحِمِ الجُرحِ
أتى نُورُكَ المُزانُ خَضيبا
أيُّها المستديرُ حَيْثُ أرادَتْكَ
السَّماواتُ فاصطَفَتْكَ قَريبا
مُنْذُ أن كَوَّرَتْكَ قَلْباً أهالَتْ
فَوقَ جَنْبَيْكَ مِنْ شَذاها طُيُوبا
قد تمادى بعهدِكَ البذلُ شُحًّا
فوهبتَ الندى رضيعاً مَهيبا
كَتَبَ اللهُ فيكَ أن لا تُضاهى
وَعَنِ المَوْتِ فِيهِ أن لا تَتُوبا
جِئتَ مِنْ أمسِكَ المُعَبَّأِ بالفَخْرِ
فَأنجَزْتَ ما وَعَدتَ المَشِيبا
جِئتَ تَروِي شَهادَةً فِيكَ ظَمْأى
لم تَزَلْ تَسْتَدِرُّ رَبَّاً مُجِيبا
فارِساً يَطرُقُ البَيَانَ اقْتِحاماً
كُلَّما غَنَّتِ الحُرُوفُ الحُرُوبا
كم لئيمٍ تَراكَمَ الحِقْدُ فِيهِ
جاءَ يَحدو آمالَهُ لِتَخِيبا
قَد تَلاشى فَلا يَوَدُّ وُجُوداً
وَتَهاوَى فَلا يُطيقُ وُثُوبا
دَمُكَ المُسْتَباحُ أورثَ يُتْماً
لم يزَلْ يعزِفُ السنينَ نَحِيبا
لَقَدِ اسْتَصرَخَتْكَ آهَةُ مَوْتٍ
في عُضالاتِنا فَكُنْتَ الطَّبِيبا
في زمانٍ عَلى شَفا حُفَرِ النَّارِ
تَطاوَلْتَ فَاقْتَلَعْتَ اللَّهِيبا
زُرتَهُ يَلْفِظُ الحَياةَ احْتِضاراً
بَيْنَ سِرْبٍ مِنَ المَنايا غَريبا
في أَساكَ النَّبيلِ ألْفُ بَياضٍ
فَضَحَ العالَمَ الأذَلَّ المُريبا
لَكَ في غَمْرَةِ الهُدى حَسَناتٌ
لم تُساوِمْ عَلى البَقاءِ الذُّنُوبا
مِلْتَ عَنْ ضَجَّةِ المَراتِبِ لكِنْ
لَكَ أضْحَى أجَلُّها تَرتِيبا
لم يَكُنْ هَيِّناً حِيازَتُكَ المَجْدَ
وَلكِنْ بَذَلْتَ عُمْراً عَصِيبا
فانْتَقَتْكَ السماءُ هَيْكَلَ صبرٍ
هاشميًّا مُهَشَّماً مسلوبا
فُزْتَ ((والعادِياتِ ضَبْحاً)) بجاهٍ
تَتَفَيَّا بِرَوْحِهِ مُسْتَطيبا
((جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ
أُعِدَّتْ للمُتَّقِينَ)) … فَطُوبى
……
يا لوعة الماء لا جرحٌ فيندملُ
يرويك كيف وقد شحت به السبلُ
لو يقدر الماء أن يسعى إليك سعى
مسعى الحجيح بوصلٍ منك يبتهلُ
لو يملك الماء في قاموسه لغةً
تسمو لقال أنا يا سيدي خجلُ
لكنه عاجزٌ يبكيكَ من وجعٍ
عطشان تطلبه والماء لا يصلُ
عطشان حين رأيت الأرض في عطشٍ
دمًّا عبيطًا رواها نحرُكَ الخضلُ
يا لوعة الماء حزنٌ كالجنوب به
قد اوسموه بعارٍ ليس ينغسلُ
فالنهر حين نأى عن وجهه القمر
المخسوف بالسهم ناجى ينقضي الأجلُ
قد كان بين سناء الله يرتحل
والآن يرنو له في شؤمه زحلُ
من يبصر النهر عن عشقٍ يرى عجبًا
طفولة الماء في عاشور تكتهلُ
يا سيد الماء قرآنًا نزلتَ لهم
دون الصدور له قد كانت الأسلُ
لم يحملوا حقه من بعد ما حملوا
مثل الحمار وفيهم يصدق المثلُ
فالحرب ما هزموك القوم قد هزموا
لا سيف يهزم نحرًا ما له قبلُ
حزوا شفاه الرسول فيك عن أثرٍ
كانت تضيء لهم من نحرِكَ القُبلُ
ثأرٌ لهم من أبيك الطهر حيدرة
صفين تشهد ما الفقار والجملُ
انت السفينة ما لم يركبوا غرقوا
من دون ربانها لا يعصم الجبلُ
أُقَلّبُ في المعنى لأستلهمَ المعنى
فإنكَ سرُ اللهِ مَعناكَ مُستَثنى
ويمتدُ من بَوحِ المشاعرِ هاجسٌ
يَتوقُ إلى الأعلى من الفكرةِ الأدنى
ويحتشدُ الإيجازُ في ظلِ آيةٍ
ليَنطقَ تاريخًا من الحبِّ لا يُفنى
ووجهٌ بمرآةِ الحقيقةِ , ظلُهُ
رسومٌ من الذوقِ المُكللِ بالحُسنى
أتيتُكَ يا مولاي هَبْ ليَّ نظرةً
تَدُلُّ انطفاءاتي بنظرتِكَ الأسنى
ومالي سوى كَفّيكَ عندَ مَتاهَتي
فخُذْ بيدي حتى تصيرَ لها رَهنا
ولمّا دعاكَ السيفُ تصقلُ حَدّهُ
بنحرٍ , مضغتَ الصبرَ لن تعرفَ الوَهنا
ورَغمَ انحسارِ العُمرِ طفلٌ بداخلي
على طفلِكَ المذبوحِ يَملَؤني حُزنا
فيا منْ أحالَ الموتَ رحلةَ عاشقٍ
ليَعلِمَهُ أنَّ الخلودَ لهُ سُكنى
فمُذْ كانَ طفُ اللهِ كنتَ سماءَهُ
علوًا , وإنَّ الجَدبَ يستعطفُ المُزنا
هنالكَ كان الماءُ يبحثُ في الثرى
عن الضفةِ الأنقى , ليسمو بها لَونا
فلا وَزنَ للأقوالِ حينَ اصطفائِها
إليكَ ستسعى كي تُقيمَ لها وَزنا
وفي الروحِ فقرٌ لا سبيلَ لوأدهِ
بغيرِ ثراءٍ من أحاسيسِكَ الأغنى
فلولا نداءُ الرأسِ في منبرِ القَنا
لصرتُ كما الشيطانُ لا أحسنُ الظَنَّا
بغيركَ لا أدري , الى أينَ وجهَتي
فلم أكتسبْ وعيًا يناغمُ لي ذِهنا
ومن شاطئِ الإيجادِ تحملُني الرؤى
من الضفةِ اليسرى الى الضفةِ اليُمنى
نعم إنني أبكيكَ عندَ ابتسامتي
لأطلقَ حزنًا لا أريدُ لهُ سِجْنا
ومن فرطِ ما أرثيكَ أشعرُ أنني
يتيمٌ و أوجاعي ستكبرُني سِنا
هناك أرى العباسَ ينثرُ ظلًّهُ
وحيدًا كمثلِ الماءِ ليسَ لهُ مَثْنى
كأنَّ هديرَ الموجِ أهداهُ نغمةً
وصوتًا بإحساسِ العذوبةِ قد غَنى
فبالأصبعِ المقطوعِ والكفِ والدما
أرى لوحةً حمراءَ تملؤها فَنا
بها خيمةٌ للهِ ألهَبها الظَما
فمن ذا سيُطفيها وكافلُها مُضنى ؟
وكلٌّ على ليلاهُ يبحثُ جاهدًا
وليلى بأرضِ الطفِ قد شيعتْ إبنا
أرى فيكَ قرآنًا تبعثرَ ضَوءُهُ
وعيناهُ نحوَ اللهِ ما أغمضتْ جَفنا
تَكَلَمتَ بالجرحِ العميقِ مؤذنًا
فصارتْ لكَ الأفاقُ في كربلا أُذْنا
ظَمِئَ الدَّهرُ
وَاشْتهاكَ غَمامَا
ورأى رأسَكَ النَّبي مَرامَا
مُنذُ قُلتَ: “العِراقُ”
وَالنَّخلُ صَلَّى فِي مَحارِيبِكَ
الصَّلاةَ الغَرامَا
مُنذُ لَاحَتْ بَيارِقُ الهَاشِميِّينَ
تَهادَى إلى نَداكَ النَّدَامَى
حِينَ أشْرَعتَ لِلمَسيرِ النَّوايا
لَم يُطِقْ بَعدكَ “المَقامُ” المُقامَا
مَرَّ فِي رَحلِكَ النَّبيُّونَ
حتَّى يُدرِكُوا “الفَتحَ”
أوْ يَكُونُوا خِيامَا !
لَم تُحاوِلْ بِالمَوتِ إلّا خُلودًا
لَم تَشأْ بِالنَّزيفِ إلّا سَلامَا
جِئتَ
تُقرِي الحَياةَ مَا لَيسَ يُقرَى:
حلمًا وَاقعًا وَبدرًا تَمامَا
جِئتَ
حَيثُ الجِهاتُ مَحضُ شَتاتٍ
وَالخَرابُ القَديمُ فِيهَا تَنامَى
وَنَهَارٌ أذقْتَهُ مِنكَ جُرحًا
عَلَّقَ اللَّحْظةَ / الحَياةَ وِسَامَا
جَفَّ ضَرعُ المَعنى
فَأرْضعتَ هَذي اللُّغةَ / المُشتَهى
النُّفوسَ العِظامَا
الكَثيرُ الَّذي يُجَارِيكَ
يَدرِي: أنتَ أندَى يدًا
وَأشمخُ هَامَا
لَيسَ فِي هَذهِ السُّيوفِ الحَيارَى
غَيرُ مَوتٍ وغُربةٍ وَيتَامَى
فَلِمَاذا
وَقفْتَ وَحدَكَ نُورًا
عِندمَا اعْتَادتِ العُيونُ الظَّلامَا؟!
وَلِماذَا
تَشجَّرَ “الطَّفُّ” فِي الوقتِ سُؤالًا
يَمتدُّ عَامًا فَعامَا؟!
لِمَ
أجْرَيتَ مِن شِفَاهِكَ نَهرًا
قامَ فِي فِكرَةِ الفَراغِ ازْدِحَامَا
دَهشَةً… دَهشَةً…
مَعانِيكَ تَترَى
كَيفَ حُرٌ بِضَوئها يَتعَامَى
أيُّهذا المَلائكيُّ:
انْتظِرني
وَاقْترِحني عَلى الغُصونِ حَمامَا
بَينَ كَفيَّ أحمِلُ العُمرَ نَذرًا
فَتَقَبَّلْ مِنِّي السِّنينَ اللِّمامَا
وَاسْرُجِ الخَيل مِن ضُلوعِي
وَخُذني للعُروجِ الأخيرِ
كَي أتَسامَى
كَي أصُوغَ الطُّفوفَ ثَوبًا
فتُمحى مِن مَرايَا الهَوى
ذُنوبٌ قُدامَى
هَامشًا تَحتَ جُرحِكَ الفَذِّ أحيَا
كُلَّما قِيلَ: “يَا حُسينُ”
تَرامَى
بكَ رَممتُ مَا تبقَّى بِروحي
فَلقد كُنتُ قبلَ هذا رُكامَا
أغسِلُ الرُّوحَ بَينَ عَينيكَ
حزنا يَبعثُ الحُزنَ
عَبرةً وحسامَا
نَحرُكَ المَالئُ الرِّمالَ اتِّقادًا
صَيَّرَ النَّزفَ للزَّمانِ مُدامَا
يَبِسَتْ قَبلَكَ الشِّفاهُ
وَلكِنْ غَيمةً مِن دَمٍ
هَطلتَ الكَلامَا
نَعَستْ تِلكمُ السِّهامُ
فهلَّا تَفتحُ الصَّدرَ دَافئًا
كَي تَنامَا
يَا لِمَرآكَ ظامئًا
يَتَجَلَّى فِي عُيونِ الخُيولِ
بَيتًا حَرامَا
يَا لأنصارِكَ الّذينَ اسْتراحُوا سُوَرًا
بَينَ تَمتماتِ الخُزامَى
يَا لعبَّاسكَ
الكتائبُ تدري: إنّه الموتُ
مُستعيرًا لثامَا
كَربَلاءُ القَصيدةُ الأمُّ
تَبقَى أوّلَ النَّزفِ
والمَدى
والخِتامَا
المركز الأول – فئة القصيدة الكلاسيكية
ذَبيحُ الفُرَاتِ
الشاعر / أحمد كاظم خضير
(العراق – البصرة)
“أَسْرِجُوا الْخَيْلَ، وَاصْعَدُوا أَيُّهَا الْفُرْسَانُ…
لأَنَّ لِلسَّيِّدِ رَبِّ الْجُنُودِ ذَبِيحَةً فِي أَرْضِ الشِّمَالِ عِنْدَ نَهْرِ الْفُرَاتِ”
سِفر إرميا 46
كَما جَوادُ حُروفي فِي القَصيدِ كَبا
كَبا الزَّمَانُ وظَلَّ الوَقتُ مُختَضِبَا
مُسَمَّراً فِي حُقولِ الدَّمعِ،
حِنطَتُهُ قَحطٌ ،
وتَنّورُهُ يُقري الوَرى سَغَبا
مِن اشتِياقِكَ بِي مَسٌّ يُنازِعُني
وَأهونُ الشَّوقِ مَا لِلعَقلِ قَدْ غَلَبا
أخيطُ نَهراً
وجُرحَ الأرضِ أحسَبُهُ
أريقُ وَجهي عَلى صَحرَائِها سُحُبا
أمشِي ..
وعُكَّازُ أحلامِي شَتاتُ دَمي
فَيَتبعُ الحُلمُ مِنْ رَمضَائِها سَبَبا
كُلّي التِفاتٌ
وصَوتُ الرَاحلينَ فَمي
لَحني يُراوِدُ فِي أحزانِهِ القَصَبا
رَملٌ ،
صَهيلٌ ،
دِمَاءٌ ،
فِتيَةٌ نُجَبا
كانوا مَع السِّبطِ مِنْ آياتِنَا عَجَبا
يُؤثِّثونَ عُروشَ الحَقِّ
مِن لُغَةِ الضِّيَاءِ
يَتلونَ سِفرَ المُلتَقى بـ(صَبا)
وَعِندَما هَزَّتِ (الحَوراءُ) غِيرَتَهُمْ
تَساقَطوا تَحتَها فِي (كربَلا) رُطَبا
كأنَّ (نَمرودَ) ناداهُ (أبو لَهَبٍ)
وراحَ يَجمَعُ يَومَ العَاشِرِ الحَطَبا
فَقيل: (زَينَبُ)
_ لمَّا أحرَقوا خِيَماً_
كُوني سَلاماً وَبَرداً واطفِئي اللَّهَبا
وَقِربَةٌ سَالَ مِنها الضَّوءُ مُنسَكِبا
كَشْفٌ شَهِيٌّ
يَقُدُّ الغَيبَ وَالحُجُبا
كأنَّ (عَبّاسَها) صُبحٌ بِلا رِئَةٍ
تَنَفَّسَ المَاءَ
لكنْ عادَ مُلتَهِبا
“فَأينَ طَالوتُ وَالجَيشُ الذي اغتَرَفوا”
مِنَ الذي شُربَةً فِي النَّهرِ مَا شَرِبا
لمَّا تَجَلّى بِوَادي (كربَلا) انصَعَقوا
خَوفاً وَدُكَّتْ جِبالُ الكُفرِ مُذْ غَضَبا
فَكَيفَ غَنّى عَلى الأعنَاقِ صَارِمُهُ
ورَاح يَفتِكُ
في جُمهورِهم طَرَبا؟
وَكيفَ مَرَّ عَلى الأفكارِ
مُتَّخِذاً سَبيلَهُ فِي بِحَارِ المُنتَهى سَرَبا؟!
هُوَ الحَقيقيُّ ..
حَيُّ الأرضِ ، سَيِّدُهَا
وكُلُّ شُجعَانِهِم كانوا بِهَا لُعُبا
مَا كانَ يَظمأُ
كانَ المَاءُ يَعطَشُهُ
وَالنَّهرُ مِنْ دُونِهِ لَمْ يَألفِ التَّعَبا
********
بِحَسرَةِ الوَردِ (عيسَى) جاءَ مُعتَذِراً
إكليلُهُ الشَّوكُ ..
إكليلُ (الحُسَينِ) ضُبَا
يا (آدمَ) الطَّفِ
فِي أعضَاءِهِ سَجَدَتْ كُلُّ السُّيوفِ
وَأنبا بِسمِهَا إِرَبا
خَطَّتْ يَدُ اللهِ قَبلَ النُّورِ أحرُفَهُ
فَظَلَّ إسمَاً عَلا الأزمانَ وَالحُقُبا
ذَبيحَةُ اللهِ
لو رَامَ (الخَليلُ) لَهُ عِدلَاً
لَتَلَّ الوَرى جَمعاً
ومَا اقتَرَبا
فِي صَدرِهِ ضَمَّ ثَالوثاً
يَنزُّ دَماً لِلهِ يَصعَدُ
حَتّى الآنَ مَا نَضَبا
مَعارِجُ الدَّمِ نَحوَ الرَّبِ جَامِدَةٌ
سَلالِمَ الرَّفضِ
لِلأحرارِ قَدْ وَهَبا
نَجمٌ يُسافِرُ (لاءً) فِي الظَّلامِ
ولا يَعلو بِأحلامِهِ
إلّا شِرَاعُ إِبا
هَذا قَميصُكَ
رَدَّ الأرضَ باصِرَةً
فَأينَ (يَعقوبُ) لَمَّا بَيَّضَ الهُدُبا؟
جَمَّعتُ فِي دَفتَرِ النِّسيَانِ ذَاكِرَتي
وجِئتُ فَرداً إلى مَعنَاكَ
مُغتَرِبا
كَسرتُ مِرآةَ تأويلي
وعُدتُ إلى صَليبِ فِكرٍ
يَدُقُ العَقلَ وَالخَشَبا
وَكُنتُ أصلُبُ ذِكَرَ الطَّفِ فِي شَفَتِي
وَكانَ مَائِي
عَلى الشُطآنِ مُنْصَلِبَا
وَرُحتُ أخصِفُ عُريَ البَوحِ
مِن وَرقِ الشِّعرِ
المُوشَّى -عَلى إملاقِهِ- ذَهَبا
أعودُ مِنكَ
قَوافي الشِّعرِ قَد عَلِمَتْ
أنْ لا خِتامَ لِشِعرٍ
فيكَ قَد كُتِبا
المركز الثاني – فئة القصيدة الكلاسيكية
صلوات الماء
الشاعر مرتضى حيدري آل كثير
(إيران – الأهواز)

مُذ أوقَدَ الغیمُ في أعماقنا أرَقَهْ
و صحوُکَ اشتقَّ من ضوءِ العُلی طُرُقَهْ
تساقَطَ اللیلُ في الخُذلانِ حینَ رأی
مدی السنابِكِ بدراً حاملاً أفُقَهْ
روّضتَ ذئبَ الظلامیّین َیا قَمراً
تظلّ منكَ زوایا الموتِ منخَرِقَهْ
فعُدت انت مُضيئاً للإلهِ وهُم
عادوا وجوهاً من الآثامِ مُحتَرِقَهْ
لمجدِكَ الفضلُ …دع عنكَ السهام إذا
صلَّت علی صدرهِ أو قَبَّلَت عُنُقَهْ
مازالَ في جُرحِکَ المفتوحِ مُتَّسَعٌ
للموتِ في الحُبِّ… یدعونا لنعتَنِقَهْ
ماتَ الضیاءُ و ظلَّ الدّّهرُ مُشتعلاً
بضوءِ حزنٍ …من الأوداجِ قد سَرَقَهْ
حزنٌ عطوفٌ مدى الأزمانِ يُلهِبُنا
كأنَّ من أجلنا الرحمَن قد خَلَقَهْ
ماذا يُريدُ قصيدي أن أقولَ و بي
من الرِّثاءِ حماسٌ يكرهُ الشَّفَقَهْ
و تصرخ الروحُ :يا مولايَ خذ بيدي
یا مَن رفَعتَ لواءَ المُنتهی بِثِقَه
فرمَّمَ الدمعُ في عينيَّ رؤيتَهُ
والبوحُ رشَّ على ايماءتي عَبَقَه
هُنا علی صفحتي تنعاكَ ثاکلةٌ
و خیمةٌ حُرَّةٌ تبکیکَ مُحتَرِقَه
مِن فرطِ ما غَرفَ الظمئی مدامِعَهم
یُقالُ أنّ: جروحَ الوردِ مُنفَتِقَه
تجيءُ زينبُ و البلوى تُرتِّلُها
و الأفقُ يحسَبُها آياً على وَرَقَه
دموعُها الثاكلاتُ المغلقاتُ فماً
وعينُها الخيمةُ المحنيةُ القَلِقه
و وجهُها الصبرُ و البلوی ملامِحُها
وخطوةً خطوةً بالعرشِ مُلتَحِقَه
و أنتَ یا صلواتِ الماءِ…ماانسکَبَت
علیاكَ… الّا ارتَمَت في الدَهرِ مُنبَثِقَه
ماذا کَتَبتَ علی وجهِ الصعیدِ عنِ ال
الإیمانِ، حیثُ سمِعنا اللهَ قَد نَطَقَه
ما حَلَّ بالخُنصُرِ المقطوعِ هَل کُتِبَت
بهِ الحقیقَةُ أم اعطیتَهُ صَدَقَه
تُرِکتَ في ظَمأِ الصحراءِ رفرَفَةً
من القیاماتِ في رؤیاكَ مُختَنِقَه
و جئتُكَ الیومَ حیراناً بقافیتي
فاختارَني العشقُ یُملي صفحتي حُرَقَه
مولايَ جئتُكَ موجاً حاملاً وجعاً
یُتِمُّ في بحرِ حُزنِ المُنتهی غَرَقَه
المركز الأول – فئة القصيدة الحديثة
مَعْمَدانُ الفُرات
الشاعر حسن سامي العبدالله
(العراق – البصرة)
مِنْ يوحَنّا الْمَعْمَدانِ يَحْيى بِنْ زَكَريّا إلى مَعْمَدانِ الفُراتِ الحُسَينِ بِنْ عَلي:
لأَنّي رَأَيْتُ المَجْدَ عِنْدَكَ جاثِيا
يُحاوِلُ أَنْ يَرْقى
إِلَيكَ المَراقِيا
أَتَيْتُكَ أَسْتَقْصي
وَقَدْ جِئْتُ رائيا
وَخَلَّفْتُ آثارَ السِّنينِ وَرائِيا
وَأَتْقَنْتُ تَطْويعَ المَواصيلِ
ذاهِباً إلى شُرْفَةٍ مِنْها أُثيرُ سُؤالِيا
لِماذا تَدورُ الأرْضُ
إلْا بِكَربَلا توَقَّفَتِ الدُّنيا
وفاضَتْ مَعانيا؟!
لِماذا الدَّمُ القُدْسِيُّ
ما لامَسَ الثَّرى
بَلِ انثالَ في وِسْعِ السَّماواتِ قانِيا؟
لِماذا الفُراتُ العَذْبُ
ما سالَ فَيْضُهُ لآلِكَ
لكِنْ سالَ في التَّيهِ عاصِيا؟
لِماذا ضَميرُ الجَمْعِ ما كانَ قارِئاً
لآياتِكَ العُظْمى
وَما كانَ واعِيا
لِماذا بِعاشوراءَ ما كانَ واحِدٌ
على طِفْلِكَ الظّامي
رَؤوفاً وَحانِيا؟
لِماذا.. لِماذاتي الّتي بُحَّ صَوْتُها تَطولُ
وَلا أَلْقى هُناكَ جَوابِيا؟!
أَنا صِنْوكَ الآتي مِنَ الأَمْسِ
شاهِداً على يَومِكَ الدّامي
بِما كُنْتُ لاقِيا
وَلكِنَّ ما لاقَيتَ
ما دارَ مِثْلُهُ
وَلا كانَ في الدُّنيا
على النّاسِ سادِيا
صَداكَ الّذي يُحْيي المَواتَ ارتِدادُهُ
لَهُ صارَ عُنْقودُ المُحالاتِ دانِيا
لَقَدْ جِئْتُ مِنْ نَحْرْي
نبيَّاً مُخَضَّبا لنَحْرِكَ
إذْ سالَتْ دِماكَ مَثانيا
لِصَدْري كِتابَا قَدْ أَخَذْتُ بِقُوَةٍ
وَأُوتيتُ حُكْماً مُذْ هَواكَ دَعانِيا
أَسيرُ إلَيكَ الآنَ
كُلّي انعِطافَةٌ
لـ لاءاتِكَ الكُبْرى مُريداً وَراجِيا
عَطِشْتُكَ
والأَنْهار ما زالَ ماؤها
عَنِ الهَدَفِ الأَسْمى بَعيداً ونائِيا
فَعِنْدَ سَماعي إنَّ في الطَّفِّ ثَوْرَةً
هَرَعْتُ إلى الوادي المُقَدَّسِ حافِيا
أَخي إِنَّني ما جِئْتُ
إلّا لأَنْتهي إلَيكَ
فأَسْتَجلي الخُلودَ مَراميا
أُفَتِّشُ عَنّي فيكَ،
أُنْبيكَ عَنْ دَمي
وَقَدْ سالَ في ضيقِ التَّآويلِ حامِيا
فقَدْ حَزَّ رَأسي
حاكِمٌ ظَلَّ رأسُهُ
بما اقتَرفَتْ كَفّاهُ بالظُّلْمِ واطِيا
على نَزْفِكَ المُفْضي إلى الشَّمْسِ دُلَّني
وَخُذْني إلى أوْداجِ طِفْلِكَ باكِيا
أَقولُ لِمَنْ شَكّوا
على الشَّكِ واظِبوا
لتُفْتَحَ أَبوابُ اليَقينِ أقاحِيا
كِلانا تَناوَبْنا شَهيدَينِ
فاسْأَلوا بذلِكَ أهْلَ (الطَّسْتِ)
ما كانَ حاوِيا؟!
أَتَيتُ..
وأَقْدارُ التَّشابُهِ بَيْنَنا
تؤكِّدُ أَنَّ الأُفْقَ ما زالَ دامِيا
لَقَدْ كُنْتَ مَذْبوحاً
على غَيرِ عادَةِ الذَّبيحينِ
جَنَّبْتَ الرِّقابَ المآسيا
نَجيعُكَ أَصْلُ الماوراءاتِ، سِرُّها
يُفَتِّقُ في قَحْطِ الرِّمالِ السَّواقيا
يشقُّ جِدارَ الصَّمْتِ صَوتُك
كاشِفاً لمَنْ خانَهُ الإبْصارُ
ما كانَ خافِيا
تُهَنْدِسُ عَكْسيّاً
صُروفاً مَريرَةً
ليُصْبِحَ مَسْبيٌّ
يُكَبِّلُ سابيا
وَتدْبغُ جِلْدَ المَوْتِ
لَوْ كانَ خاضِعاً لضِغْثٍ حَياةٍ
تُشْبِهُ النَّعْلَ باليا
خِيامُكَ وَجْهُ اللهِ ما طالَهُ اللظى
وَرَأسُكَ ثِقْلُ الكَوْنِ أَعْيا العَوالِيا
تَمَثَّلتُ في أَرْضِ النَّواويسِ
مَشْهَداً تَبَرْزَخَ فِسْطاطَينِ لكِنْ تَلاقيا..!
وَخَيلاً على الذِّكْرِ الحَكيمِ تَجَرَّأَتْ
(كَأَنّ على الأَعْناقِ مِنْهَا أفَاعِيَا)
وفي المَلأِ الأَعْلى
وَجَدْتُ الّذي انتَهى إلَيكَ شَهيداً
قابَ قوسَينِ دانِيا
(فَيا مالئَ الدُّنْيا وَشاغِلَ أَهْلِها)
بِعيْشِك مَرْضِيّاً وَمَوْتِكَ راضِيا
سَمِعْتُكَ في صورِ القِياماتِ نافِخَاً
كَأَنّي بإِسْرافيلَ جاءَ مُنادِيا..!