حِيْنٌ مِنَ النَّحْر

للشاعر: ناصر ملا زين (البحرين)

 

حِيْنٌ مِنَ النَّحْر

 

زَرَعْتُكَ وَحْيْاً .. واخْضِرَارَاً .. وَمَوْطِنا

لأَقْطفَ مِنْ عَيْنَيكَ فُلّاً وَسَوْسَنا

سَكَبْتُكَ فِيْ كُلِّ الجِهَاتِ حَقِيْقَةً

لِتَمْلأَ دَلْوَ المُسْتَحِيْلاتِ مُمْكِنَا

وَرُحَتَ مَعَ الأَقْمَارِ تَفْتحُ شُرْفَةً

فَأَمْسَتْ سِلالُ النَّحْرِ تَعْبقُ بِالسَّنَا

بِضَوْءٍ مَسَحتَ العَيْنَ، عَيْنَ قَصِيْدَتيْ

وَمِنْ مُقْلَتَيْهِ الأُفْقُ وَرْدَاً تَزَيَّنَا

وَجِئتُكَ حَيثُ النَّهرُ يَحْمَرُّ بَاكِيَاً

فَأَعْظِمْ بِكَفِّ اللهِ تَمْسَحُ أَعْيُنَا

كَأَنَّ رُمُوْشَ المَاءِ رِيْشَةُ مُبْدِعٍ

تجلّتْ إِلى الأَطْفَالِ حُلْمَاً مُلَوَّنَا

لِتَرْسمَ مِلءَ الحُلْمِ ضَحْكَتَهَا التيْ

تَفَنَّنَ فِيْهَا الحُزْنُ عُمْرَاً تَفَنُّنَا

وفِيْ لَحْظةٍ – كَالرّيحِ تَفْقدُ وَجْهَهَا-

تَجِيءُ إِلى كَفَّيْكَ تَسْألُ: مَنْ أَنَا؟!

خَطَوْتَ، فَفَاضَ الرَمْلُ شَمْسَاً وَمَنْحَرَاً

نَزَفْتَ، فَكَانَ الجُرْحُ بَيْتَاً وَمَأْمَنَا

بَنَيْتَ مِنَ الأَوْجَاعِ بَسْمَةَ خَيْمَةٍ

فَلَمْ تُهْدَمِ البَسْمَاتُ إِلّا لِتُبْتَنَى

سَأَلتَ سَحَابَ النَّهْرِ: هَلْ ثَمَّ طَعْنَةٌ؟!

وقُلْتَ لِطِفْلِ الوَرْدِ: ذَبْحُكَ قَدْ دَنَا

لِتَنْقُشَ فِيْ الآفَاقِ لَوْحَةَ مَصْرَعٍ

وَتَصْبَغَ كُلَّ الأَرْضِ والدَّهْرِ وَالدُّنَا

فَأذَّنَ شِلوُ المَاءِ.. وانْثَالَ سَجْدَةً

كَأنَّ (بِلالَ الغَيْبِ) للهِ أَذَّنَا

هُنَا حَجَّتِ الأَشْجَارُ، وازْدَلَفَ المَدَى

وكَانتْ (خِيَامُ الطَّفِّ) تَنْسَابُ مِنْ (مِنَى)

أَتْيْتُكَ والأَنْهَارُ تَتْبَعُ خُطْوَتِيْ

ولا شَيءَ غَيْرَ الدَّمِّ يَقْتَلِعُ الفَنَا

مَعِيْ شَهْقَةُ الخَيْمَاتِ، مِنْدِيلُ هَوْدَجٍ

وَقَلْبُ رَضِيْعٍ .. بِالسَّكَاكِيْنِ أُثْخِنَا

يُغَنِّيْ، وكَالعُصْفُوْرِ يُذْبَحُ غُصْنُهُ

ومَا زَالَ غُصْنُ النًّحْرِ غَضَّاً وَلَيِّنَا

وَمِنْ قِرْبَةِ العَبَّاسِ أَبْصَرتُ جَنَّةً

تَرَاءَتْ – بِلا كَفَّيْنِ – تَحْتَضِنُ المُنَى

فَأَدْرَكْتُ أَنَّ السَّهْمَ أَيْقَظَ غُرْبَةً

فَكَانَتْ عُيُوْنُ البَدْرِ مَأْوَىً ومَسْكَنَا

رَأَيْتُ عَلى الأَنْهَارِ قَلْبَ مُحَمَّدٍ

يَخِيْطُ لَكَ الآَيَاتِ حَتَّى تُكَفَّنَا

وَيَنْسُجُ فِيْ الأَزْمَانِ مَجْدَاً وَ(تَلَّةً)

وَيَخْلُقُ لِلنَّخْلاتِ عَيْنَاً وَأَلْسُنا

لِتُبْصِرَ فَوْقَ التَّلِّ أَغْصْانَ ثَوْرَةٍ

وَرَأسَ حُسَينٍ يُنْهِكُ الرُمْحَ والقَنَا

حَمَلْتُكَ غُصْنَاً لا يُصَافِحُ مِنْجَلاً

وَجَدْتُكَ كَنْزَاً فِيْ الشَّرَايِينِ يُقْتَنَى

تَلَوْتُكَ شَعْبَاً مَكَّنَ اللهُ نَحْرَهُ

بِجُنْدٍ مِنَ القُرْآنِ حَتَّى تَمَكَّنَا

غَرَفْتُكَ فِيْ كُلِّ المَسَافَاتِ خُطْوَةً

تَمُرُّ عَلى الأَوْطَانِ فَجْرَاً تَأَنْسَنَا

فَتَغْرُسُ فِيْ الإِنْسَانِ نَخْلَ هُوِيَّةٍ

وَجِذْعَاً– بِرُغمِ الرِيحِ والمَوْتِ – مَا انْحَنى

لِتَبْقَى رَبِيْعَ اللهِ فِيْ كُلِّ بُقْعَةٍ

“فَأَقْطفَ مِنْ عَيْنَيكَ وَحْيَاً وَسَوْسَنا”

وَتَشْمخَ فَوْقَ الرُمْحِ، تَزْرعُ سُوْرَةً

فَتَزهوْ بِكَ الآيَاتُ والغَرْسُ والجَنَى

وحَيْثُ (هُنَاكَ) الرَّأسُ يَنْزْفُ كَعْبَةً

تَعُوْدُ مَعَ الأَجْيَالِ تَبْدَأُ مِنْ (هُنَا)

جُرْحٌ .. يَحْتَرِفُ الخُلُوْد

جرحٌ يُرتِّبُ مِلْحَهُ ومَحَارَهْ

سُفُنُ المدامِعِ ما لَوَتْ إصْرارَهْ

في ذِمَّةِ الإيثارِ أطلَقَ فَجْرَهُ

حيثُ الخَيارُ الصَعْبُ كانَ قَرارَهْ

مِنْ سورةِ الخيماتِ يغزِلُ شمسَهُ

وبوحيِّ ( زينبِهِ ) يَحوكُ نَهاره

ماضٍ ، وَإنْ نَبْضُ الفُرَاتٍ تَعَثُّرٌ

لابُدَّ مِنْ قلبٍ يُقيلُ عِثَارَهْ

الآنَ .. ” أجِّلْنَ الدموعَ ” فموسِمٌ

آتٍ لِيُوقِدَ أَدْمُعًا قيثارة

قلبي مَلامِحُ دَمعةٍ .. وقصيدتي

عَبَرَتْ على خدِ المَجَازِ عِبَارَة

بيدَيَّ ترتعِشُ الحروفُ وَقَارِبي

ما عَادَ يُتقِنُ كربلا ، إبحارَه

وحدي فإبراهيم شعري حائرٌ

في ليلٍ أسئِلةٍ ، يُكابِرُ نارَه

لا صَوت يُشبهُني فأرسمُ مَنْ أنا؟!

لا صمت يَملأُ مِنْ صَدايَ جِرارَه

بَعْضي نُبُوءةُ شاعِرٍ وبقيَّتي

لغةٌ مُبَعْثرةُ الصَدَى مُحتارة

هُمْ قِلَّةٌ ولِوَحدِهِ هُو كَثرةٌ

قلبٌ وعزمٌ ، رؤيةٌ وغَزارة

ويُبَاغِتُ الدُنيا هُنَاكَ بكربلا

ءاتٍ ، يُدشَّنَ بالجِراحِ مَسَارَه

” هيَّا خُذيهِمْ يا دِماءُ .. ” جَهَنَّمًا

فتُجيبُهُ ” هل مِنْ مَزيدٍ ؟ ” ، غارَة

يومًا سيكتشِفُ الزَمانُ بأنَّهُ

عَقَدَ الحَقيقةَ حينَ فكَّ حِصَارَه

يومًا ستعترِفُ السُيوفُ بأنَّها

في يومِها ما قدَّرَتْ إنذَارَه

وبِأنَّها كَفَرَتْ بوحيِّ دمائِهِ

، إذ أُنزِلَتْ ، فَتجاهَلَتْ مِقدارَه

**********

يا جُرحُ حينَ الموت أصبَحَ دولةً

أشرقتَ مِنْ وَهَجِ الإباءِ حَضَارَة

حينَ التحدِّي كانَ ليلَ مُخَيَّمٍ

أضرَمتَ صُبحَكَ واخترقتَ غِمَارَه

لَمْ يُدْرِكوكَ دَمًا يُصَدِّرُ نَصرَهُ

ويُكربِلُ الدُنيا .. يُعولِمُ ثارَه

لمْ يُدرِكوكَ اختَرتَ أيَّ مساحةٍ

كونيّةٍ ، فرَسمتَها مِضمَاره

لمْ يُدرِكوا كُلَّ الجِهاتِ فَتَحتَها

نارًا لتُطفئ ليلَهُم وشَنارَه

تستَلُّ جُرحَكَ في قِبالِ سيوفِهِم

فَتعودَ مُنتَصِرًا بِكُلِّ جَدَارة

يا مَنْ خَلَعتَ أَنَاكَ ، تبقى عاريًا ،

تكسو الزمانَ تَحرُّرًا وطَهارة

يا مَنْ شَربتَ ظَمَاكَ ، نبعَ شهادَةٍ

يروي الحياةَ عطاءَهُ .. إيثارَه

نبعٌ .. يُطَرِّزُ للحياةِ وِلادةً

أُخرى وينثُرُ في المدى أعماره

 

والرأسُ في رُمحٍ ، يشعُّ كرامَةً

قمرًا يُكوثِرُ في السُرى أنواره

لوشاء في دربِ السباءِ بأن يُديــ

ــرَ الكونَ من فوقِ القنا لأدارَه

**********

أحسينُ رُغم الذَبحِ لم تكُ مشهَدًا

للمَوتِ ، كَانَ صَدى الرِثَاءِ إطارَه
ما كُنتَ ذاكرةً تنوءُ بنزفِها

أوليلَ بُؤس يشتكي أكداره
عذرًا إذا عِشناكَ منبرَ دمعةٍ

وممارسات مواكِبٍ وزيارة
حتى احتكرنا كربلاءَ عواطِفًا

و( حسينَها ) لم نكتشِفْ أسراره
ذُكِرَ المُصابُ نُوَاحُهُ وبُكاؤهُ

نُسيَ ( الحُسينُ ) وَلَمْ نَعِشْ أفكاره
حُشِرَ اختناقُ الفِكرِ في رئةِ (الشعا

ئِرِ) ، في طُقُوسٍ مارسَتْ إنكارَه
نحيا ( الحسينَ ) كما نشاءُ وَلا كَما

شاء ( الحسينُ ) ونرتضي إهداره
هذا (الحسينُ)/ الفكرُ صدَّرَ نهضةً

لا كي نُحاصِرَ بالدموعِ مسارَهْ
ما كانَ مُنكَسِرًا .. بِكُلِّ إرادةٍ

كُلُّ الجراحِ اختارَ أنْ تختاره
ما كانَ عُطشانًا .. فَعَينُ خُلُوْدِهِ انـــ

ـــبَجَسَتْ ، تُحَرِّرُ مِنْ ظَمَىً أَنْهَارَه
مَا كانَ فردًا كان أعظَمَ أُمَّةٍ

أَذْكَتْ رؤاها ثَوْرَةً جَرَّارَة
دعنا نَعُدْ لإلى الحسينِ شهادةً

وإرادةً وقيادةً وإدارة
لِحُسينِ وعيٍ نقتفي أهدافَهُ

حتى نُعيدَ به أجلَّ صَدَارة
مولايَ .. غَرْقَى في بِحَارِ ضياعِنا

فامدُدْ لنا طوقَ النجاةِ مَنارة

 

 

حوارٌ مَعَ مَوْتٍ وَاهِم

… فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا…

 

 

حَتَّامَ يَا مَوْتُ – مَزْهُوّاً– تُجَسِّدُهُ ؟!

 

وَلَيسَ لِلخُلدِ مِنْ حَدٍّ يُحَدِّدُهُ!!

 

بهِ الخُلُودُ تَجَلَّى ذَاتَ مَذْبَحَةٍ

 

مِنْ السَّمَاءِ، وَعِندَ الذَّبحِ مَوْلِدُهُ

 

يُسَافرُ الوَحيُ فِيْ مَعنَاهُ أَشْرِعَةً

 

يُجَدِّدُ (الطَّفَ)، والِإنْسَانُ مَقْصَدُهُ

 

فِيْ طُوْرِ سِينَائهِ الأَنْهارُ مُذْ سَكَنتْ

 

مِيْقَاتَها، انْبَجَسَتْ فِيْ كَرْبَلا يَدُهُ

 

تُضَمّدُ النَّهْرَ جُرحَاً نَازِفَاً حُلُمَاً

 

وَنَحرُهُ النُّوْرُ قُلْ لِيْ مَنْ يُضَمِّدُهُ؟!

 

هُنا وَقفتُ بِبَابِ الصَّمْتِ ذَاتَ دمٍ

 

أُسَائلُ المَوْتَ عَنْ نَحْرٍ سَيَخْمدُهُ:

 

أَنَّى تَمُوتُ نُحُورٌ كَانَ قَبَّلَها

 

فَمُ الإلهِ، وَشَمْسُ النَّزْفِ تَعبُدُهُ؟!

 

فَللنحُوْرِ شِفَاهُ الغَيبِ، إن قُطِعَتْ

 

تُكَلِّم اللهَ تَكْلِيمَاً وَتَحمدُهُ

 

وللنحُورِ لُغَاتٌ كَانَ يَكْتُبهَا

 

دَمُ الحُسينِ وَفَجْرٌ حَانَ مَوعِدُهُ

 

ليُشعلَ الحَرفَ نَهْراً، قِرْبَةً وَيَدَاً

 

مَقْطُوْعَةً، إِذْ هَوى لِلأَرْضِ فَرقَدُهُ

 

وفِي الفُراتِ يُصليْ المَاءُ أَفْئِدةً

 

مِنَ الخُشُوعِ، وَذاكَ النَّهرُ مَعبَدُهُ

 

وفِي الخِيامِ رَضِيعٌ فِي ابْتِسَامَتِهِ

 

حُلْمُ العَصَافِيرِ لَحْنَاً رَاحَ يُنْشُدُهُ

أَليسَ يَا مَوتُ فِي رُؤيَاكَ فَلْسَفَةٌ

 

أُخْرَى، تُمِيْتُ بِها جُرْحَاً وَتُلحِدُهُ؟!

 

أَنا وأَنتَ وَقَفنا قُرْبَ مَذبَحَةٍ

 

يَفُوْحُ مِنها خُلُودٌ كُنتَ تَرصدُهُ

 

فَمَا وَجَدنَا سِوى نَحْرٍ يَشِعُّ هُدَىً

 

و(زينبٌ) لَمْ تَزلْ بالدَّمْعِ تُوْقدُهُ

 

والمُهْرُ يَنْحتُ فِي التَّارِيخِ أُغْنِيَةً

 

تَحْكِيْ (سُلَيمانَ) لَمَّا عَادَ هُدْهُدُهُ

 

لِيُخبرَ العَرشَ أنَّ المَوتَ مُخْتَنِقٌ

 

بِالنَّحْرِ، حَيْثُ ارْتَمَى رُعْبَاً مُهَنَّدُهُ

 

وَطَعنَةٌ سَجَدَتْ فيْ مَسْجِدٍ/ جَسَدٍ

 

لَمّا يَزلْ خَاشِعاً بالطَّعنِ مَسْجِدُهُ

 

يَا مَوتُ هَبْنِيْ جِرَاحاً، تَزْدَهِيْ عُمُرَاً

 

وَدَهَشْةً مِثلَ سَيفٍ فِيَّ تُغْمِدُهُ

 

لَعَلّنِيْ أَحْملُ الصَّحراءَ فَوقَ يَديْ

 

وَمَنْحَراً مِنْ (طُفُوفٍ) جِئتَ تَحْصدُهُ

 

لَعَلّنِيْ باحْمِرارِ الطِينِ أَبْحَثُ عَنْ

 

رُوحِ الحُسينِ ضِيَاءً لَستُ أَعهَدُهُ

 

هُوَ الحُسينُ ابْتِكارُ اللهِ مُذْ ظَمِئتْ

 

عُينُ الحَياةِ، أَسالَ الضَّوءَ مُوْرِدُهُ

 

مِيَلادُهُ لَحْظَةُ السَّيفِ التيْ فَصَلَتْ

 

رَأْسَاً، فَلمْ يَنْفَصلْ عَنْ أَمْسِهِ غُدُهُ

 

قَدْ كَانَ مَسْرَاهُ نَحوَ الذَّبحِ مُعْجِزةً

 

وَكانَ جِبريلُ فِي المَسْرَى يُهَدْهِدُهُ

 

فَوقَ (البُرَاقِ) عُرُوجاً كَانَ مُنْهَمِرَاً

 

وَهوَ انْبلاجُ سَلامٍ غَابَ مَشْهَدُهُ

 

يَا مَوتُ إِنَّ فَناءَ الرُّوحِ مُنْصَهِرٌ

 

بالمُسْتَحِيلِ، فَدَعْ سَهْمَاً تُسَدِّدُهُ

 

يَكْفِيْ الحُسين حَيَاةً أنَّهُ وَطَنٌ

 

يَشِعُ فِي جَبْهَةِ الدُّنيَا تَمَرُّدُهُ

 

يَكْفِيهِ أَنَّ عُيُونَ الشَّمسِ سَابِحَةٌ

 

عَلى الضَّرِيحِ، وَفَجرَاً فَاضَ مَرقَدُهُ

 

يَكْفِيهِ أَنَّ شُعُوبَ اللهِ تَقرَأهُ

 

رُوْحَاً، ولمَّا يَزلْ لُغْزَاً تَفَرُّدُهُ

 

والأَنْبِيَاءُ امْتِدادُ النَّحْرِ وَحْيُهُمُ

 

فَلَمْ يَمتْ بالهُدَى يوماً (مُحَمّدُهُ)

 

يَا أيها المَوتُ إِنَّ (الطَّفَ) سَاقِيَةٌ

 

تُبَلِّلُ النَّحْرَ قُرآنَاً .. تُخَلِّدُهُ

 

وَكُلُّ عَصرٍ– بِنَصرٍ– جَاءَ مُمُتَشِقاً

 

دَمَ الحُسينِ سِلاحَاً قَامَ سُؤدَدُهُ

 

حَتَّامَ .. حَتَّامَ؟!! قَدْ حَارَ السُؤالُ وَقَدْ

 

خَارتْ قِوَاهُ، وكَمْ قَرنٍ يُجَدِّدُهُ؟!

 

آمنتُ بِالنَّحرِ خُلْدَاً، جَنَّةً وهُدَىً

 

حَتَّامَ يَا مَوتُ – مَزهُوّاً- تُجَسّدُهُ؟!

 

خُيَلاءُ مَاء

اِسْقِ الفُرَاتَ الجُودَ مِنْ خُيَلائِكْ

أنتَ الحُسَينُ .. المَاءُ مِنْ أسْمَائِكْ

وأَدِرْ غَمامَك فالجِهاتُ ترقُّبٌ

حتَّى السّماء دَنَتْ لفيضِ سَمائِكْ !

مأْوَى الضُّيوفِ ، وأَنتَ أوَّلُ ريِّهمْ

أترى السِّهامَ على غديرِ دِمائِكْ ؟

إنْ كُنْتَ مِنْ عَطَشٍ شكَوتَ ، فإنّما

تشكُو احتِضارَ النَّهْرِ دُونَ لقائِكْ

وفمٌ تُبَلِّلُهُ حروفُكَ هل ذَوَى

ظمأً ؟ وفيه هَرقْتَ كأسَ إبائكْ ؟!

أنتَ الذيْ سكَنَ الخلودَ زُلالُهُ

فإذا الحياةُ تعُبُّ مِنْ أنْدائِكْ

يا أيُّها المذبُوحُ صوتُكَ لم يزَلْ

يُحْيِي الوُجودَ ، فما ادِّعاءُ فَنائِكْ؟!

الموتُ أُحجيَةٌ ، فرأسُكَ في القَنا

يحدو، ويمشي الكونُ خلفَ حُدائِكْ

حرقوا خِباءَكَ كيْ نَضِلَّ طريقَهُ

وبداخِلي قلبٌ كَلونِ خبائِكْ

وعلى ضُلوعِكَ لاحَ مشْعَرُ حافرٍ

يسعَى ؛ أقُلتَ الحَجَّ مِنْ أشلائِكْ ؟!

وبقِيتَ مِئذنةً وذِكْرُ مُحمَّدٍ

فيْهَا اعتَلَى ، يزهو بثوبِ عَرائِكْ!

بدمِ الرضيع خَضَبْتَ ناصيةَ السما

ءِ فلوَّنتْ منه جفونَ رثائِكْ

ومُجَدَّلٍ أحيا الصّلاةَ ، وخَلْفَهُ

تصطَفُّ حيَّ على الحُسينِ ملائِكْ

ولئنْ أباحَ الشّوكُ جسمَكَ ، إنّما

هوَ لائذٌ ، أرأيتَ مثلَ حرائكْ ؟

وعليكَ أسرابُ المنون تزاحمتْ

فخطبتَ فيها “الكهفَ” من عليائكْ

والموتُ مهما جالَ فوقك خيلُهُ

خلَّفْتَهُ كَلاًّ على أعدائكْ

هلْ أطفَأَ اسمَك ظنّ زحفُ رمادِهمْ؟

فخذلتَهُ .. والشمسُ تحت ردائكْ

ويظلُّ نحرُكَ في الزمانِ حكايةً

هيهاتُهُ للمُبصرِينَ أرائكْ

ورُؤاكَ جذوةُ مَن بليلِ مسيرِهِ

طلبَ الكرامةَ فَهْيَ من آلائكْ

ما كربلاؤكَ غيرُ وحي رسالةٍ

وبمهدِ طفلكَ كانَ بَدءُ ندائكْ

الفتحُ يتبعُني ورَحلِيَ جَنَّةٌ

ودمِي براقي حيثُ دَرْبيَ شائِكْ

ومَعِي سأحمِلُ شاهدَينِ : قِماطَهُ

ودمًا ، فخُذْ يا أُفْقُ نقْشَ كِسائِكْ

فتسابَقَتْ حتّى العبيْدِ بكربلا

تستمْطرُ الفِردوسَ مِنْ زهرائِكْ

ورضيعُكَ الْـ.يفدِيكَ أبيضُ نحْرِهِ

ووراءَهُ الدُّنْيا حبَتْ لفِدائِكْ
هل سُورَةُ التوحيدِ أنتَ، ولمْ يكنْ

كُفُؤًا لكُلِّ عُلا سوى أَجْزائِكْ
ما أنتَ بالعَطشَانِ ! إنْ هَمَتِ السَّمَا

لمْ تهْمِ إلاّ من سحابِ عطائِكْ

ولأنّكَ الماءُ الذي انْهمَرَ اسمُه

غادرْتَ ماءَ النّهرِ دونَ رُوائِكْ

يا ابنَ التي ماءُ الحقيقةِ مَهْرُها

أغْدِقْ على شِعْرِيْ بُحورَ وَلائِكْ
فإذا مضَى الشُّعراءُ يَتْبَعُهُمْ غِوَى

ما ضرَّنِي إنْ كُنتُ مِنْ شُعرَائكْ

 

 

فِيْ حَفْلَةِ المَاءِ

فِيْ حَفْلَةِ المَاءِ حَشْدُ المَوْتِ يَجْتَمِعُ

اليُتْمُ والظَمَأُ المَهْدُورُ وَالوَجَعُ

 

 

وَغُرْبَةٌ كَمَرَايَا قُرْبَةٍ هُجِرَتْ

فِيْ شَفِّهَا صَارَ وِرْدُ المَاءِ يُرْتَجَعُ

 

 

السَّيْفُ وَالكَفُّ وَالعَيْنَانِ بِئْرُهُمَا

وَالثَّغْرُ وَالنَّحْرُ دَلْوٌ حَبْلَهُ قَطَعُوا

 

 

وَالسَّهْمُ وَالصُّمُّ وَالطِّفْلُ الرَّضِيْعُ إِذَا

شَكَا .. لَهُ صَمَمٌ فِيْ السَّهْمِ يَسْتَمِعُ

 

 

فَالمَاءُ وَالنَّسْلُ صِنْوَانٌ لِمَنْحِرِهِ

إِذْ فِيْهِ نَسْلُ رَسُولُ الله يَلْتَمِعُ

 

 

بَلْ فِيْهِ كَوْثَرُهُ المُنْسَابُ مِنْ ظَمَأٍ

مَا أَبْتَرٌ كَانَ لَكِنَّ العِدَا خُدِعُوا

 

 

ظَنُّوا بِقَتْلِ رَضِيْعٍ دَفْقُ كَوْثَرِهِ

هَدْرٌ وَنَسْلُ رَسُولِ الله يَنْقَطِعُ

 

 

فَصَوَّبُوا النَّحْرَ عَيْنُ الكَوْثَرِ انْفَجَرَتْ

لَمْ يَجْرِ فِيْ الأَرْضِ هَدْراً فَهْوَ يَرْتَفِعُ

 

 

وَمِرْضِعٌ وَحِلِيْبٌ دَرَّ مِنْ وَلَهٍ

فِيْ غِيْرِ مَوْعِدِهِ بَالمَاءِ تَمْتَقِعُ

 

يَا رَضْعَةَ العَطَشِ المَحْمُومِ زِدْتِ لَهُ

جُرْحاً فَكَيْفَ بِحُضْنِ السِّبْطِ يَرْتَضِعُ

 

 

ذا مَنْحَرٌ ضَمَّ سَهْماً فِيْ مُعَانَقَةٍ

لَوَالِدٍ دُوْنَ نَحْرٍ مَا الرَّضَاعَ وَعُوْا

 

 

والخَيْلُ والصَّدْرُ لَمَّا ضَجَّ مِنْ عَطَشٍ

بِوَطْئِهِ ضَـجَّةٌ لِلْمَاءِ تُقْتَلَعُ

 

وَالقَلْبُ وَالسَّهْمُ مَثْلُوثُ الفُؤَادِ بِهِ

لِيُهْرَقَ القَلْبُ حِيْنَ المَاءُ يَمْتَنِعُ

 

 

وَالوَعْدُ وَالفَقْدُ فِيْ أَفْيَاءِ قُرْبَتِهِ

يَا حِيْرَةَ المَاءِ لَمَّا وَعْدُهُ يَقَعُ

 

 

فَدُوْنَهُ يَتَهَاوَىْ فِيْ الثَّرَىْ قَمَرٌ

وَجَزْرُهُ لفُرَاتِ الثَّكْلِ يَبْتَلِعُ

 

المَاءُ صِيْغَةُ حَرْبِ الطَّفِّ وَاجِفَةٌ

لَهَا القُلُوْبُ وَبِالتَّعْطِيْشِ يَفْتَرِعُ

 

كَأَنَّهُ الحَرْثُ مِنْ غَيْظِ القُلُوبِ نَمَا

إِذَا تَعَهَّدَهُ الإِغْوَاءُ وَالطَّمَعُ

 

 

قُلْ مَا تَشَاءُ مَعَانِيْ المَاءِ مُهْدَرَةٌ

فِيْ ذَاتِهَا لِسَواهَا فِهْيَ تَتَّسِعُ

 

 

فِيْ حَفْلَةِ المَاءِ كَانَ الرَّيُّ آخِرَهُمْ

قَدْ يُنْزَعُ السَّهْمُ لَكِنْ لَيْسَ يُنْتَزَعُ

 

 

فِيْ حَفْلَةِ المَاءِ كَانَ الرَّيُّ مُسْتَتِراً

وَمَنْ تَبَجَّحَ نَقْعُ الدَّمِ إِذْ نَقَعُوا

 

 

فِيْ حَفْلَةِ المَاءِ خُذْ مَا تَشْتَهِيْ ذَهَباً

بِكُلْفَةِ المَاءِ لِمَّا شُرْبَهُ مَنَعُوا

 

 

فِيْ حَفْلَةِ المَاءِ إِقْصَاءُ الغَدِيْرِ عَلَىْ

إِرْوَائِهِ .. لِجُحُودٍ رَايَةً رَفَعُوا

 

 

وَكَوْثَرٌ لِعَلِيٍّ غَارَ مُنْتَكِساً

فِيْ رَدْمِهِ الدَّمُّ مَوْبُوْءٌ وَيَنْتَقِعُ

 

 

هَذِيْ بَقَايَاهُ قُرْبَىْ قُرْبَةٍ حُصِرَتْ

بِكَفِّ عَبَّاسِهَا وَالكَفُّ تُقْتَطَعُ

 

لا شَيْءَ يُشْبِهُ طَبْعَ المَاءِ إِذْ ظَمَؤُوا

فِيْ عَاشِرٍ وَفُراتُ القَوْمِ مُنْطَبِعُ

 

 

الطَّفُّ قَطْرَةُ مَاءٍ بُخِّرَتْ عَنَتاً

فَجَادَ بِالدَّمِّ رَياًّ كُلُّ مَنْ صُرِعُوا

 

 

لابُدَّ لِلطَّفِّ مِنْ رَيٍّ يُشَرِّبُهَا

رُوْحَ السَّكِيْنَةِ لَمَّا يَشْرَقُ الهَلَعُ

 

إِنْ لَمْ تُرَوَّىْ قُلُوبُ الآلِ عَاطِشَةً

فَتُرْبَةُ الطَّفِّ ظَمْأَىْ.. مَنْ تُرَى تَسَعُ؟!

 

لِذَاكَ يَرْوِيْ حُسَيْناً تُرْبَ ضَجْعَتِهِ

بِنَجْعِهِ لا بِرَيِّ المَاءِ يَضْطَجِعُ

 

كُلُّ الفُراتِ الذِيْ يَجْرِيْ بِمَشْهَدِهِ

مُجْتَثُّ أَصْلٍ وَمَا فِيْ حُكْمِهِ تَبَعُ

 

مَنْ يَتْبَعُ السِّبْطَ نَهْرٌ مِنْ مَصَارِعِهِ

بِذَاكَ حُدَّتْ رِيَاضُ الطَّفِّ فَانْتَجِعُوا

 

إِنِّيْ رَأَيْتُ حُسَيْناً زَمَّ صُوْرَتَنَا

بِلَقْطَةِ الحَيْرَةِ الأُوْلَىْ .. بِهَا هَزَعُ

 

فِيْ دَهْشَةِ المَاءِ مَقْطُوعٌ تَسَرُّبُنَا

كَجَدْوَلٍ لِحُسَيْنٍ ظَلَّ يَتَّبِعُ

 

أَلَمْ نَكُنْ بَعْضَ مَحْصُورِيْنَ فِيْ زَمَنٍ

مِنْ فَرْطِ شَقْوَتِهِ بِالحَصْرِ نَدَّرِعُ

 

أَلَمْ نَكَنْ ظِلَّ مَقْمُوْعِيْنَ قَدْ جَفَلُوا

وَظِلُّنَا حِيْنَ حَرَّكْنَاهُ مُبْتَدَعُ

 

 

كُنَّا سَرَايَا وَلَكِنْ مِنْ سَرَابِ خُطَىْ

كَصُوْرَةِ المَاءِ فِيْ العَيْنَيْنِ نَخْتَرِعُ

 

 

أَشَدُّ إِيْمَانِنَا وَهْمٌ نُخَزِّنَهُ

فَإِنْ تَلَجْلَجَ قُلْنَا فَهْوَ يَنْدَلِعُ

 

 

فِيْ القَلْبِ تَكْمُنُ مَكْبُوتَاتُ حَيْرَتِنَا

كَغَيْمَةٍ عَنْ سَمَانَا لَيْسَ تَنْقَشِعُ

 

 

وَلَيْسَ تُمْطِرُ حَتَّىْ فِيْ تَهَدُّجِنَا

وَضَرْعُهَا يَبَسُ الأَحْزَانِ إِنْ ضَرَعُوا

 

 

لَنَا شِفَاهُ حُسَيْنٍ فِيْ تَعَطُّشِهَا

لَكِنْ بِلا كَوْثَرٍ فِيْ الغَيْبِ يَنْدَفِعُ

 

 

فِيْ حَفْلَةِ المَاءِ إِنَّا مُتْرَفُوْنَ عَلَىْ

حَشْدِ المَعَانِيْ وَلَكِنْ عِذْقُهَا دَقِعُ

 

لابُدَّ لِلدَّمِّ أَنْ يُجْرِيْ تَفَجُّرَهُ

بَيْنَ العُرُوْقِ بِشُحِّ النَّفْسِ يَقْتَرِعُ

 

لِكَيْ يَفُوْزَ بِنَرْدِ النَّصْرِ كَوْثَرُهُ

أَنَّى رَمَىْ فَحَشَا غَيْمَاتِهَا دَمِعُ

 

 

وَالمَاءُ يَرْجِعُ مَاءً لَوْنُهُ عَدَمٌ

لا حَفْلَةً فِيْ ظِلالِ المَوْتِ يَصْطَنِعُ

 

 

رَياًّ جَوَاداً كَرِيْمَ الطَّبْعِ مُنْبَلِجاً

قَلْبُ الحُسَيْنِ بِهِ الأَوْلَىْ ولا طَمَعُ

 

 

لِنَهْتَدِيْهِ عَلَىْ ثَغْرٍ بِلا حَرَجٍ

لا نَبْتَ صَبَّارِهِمْ فِيْ الحَلْقِ قَدْ زَرَعُوا

 

 

يَا حَشْرَجَاتِ حُسَيْنٍ فِيْ تَمَنُّعِنَا

عِنْ مَائِهِمْ إِنَّنَا بِالثَّأْرِ نَمْتِجَعُ

 

مَا بِيَنْ مَضْمَضَةٍ نُلْقِيْ رَوَاسِبَهَا

وَبَيْنَ رَيٍّ كَوِزْرٍ حَمْلَهُ نَضَعُ

 

لا يُصْبِحُ المَاءُ مَاءً مِنْ مَشَارِبِنَا

حَتَّى يَغَادِرَ عَنْ وَاحَاتِنَا الضَّبُعُ

أسئلةٌ في جيبِ الرمل

 

 

 

كُنَّا وكانَ الفجرُ خلف ظلالِي

  متزمَّلاً بشهيَّةِ الترحالِ

فجرٌ تراقِبهُ الحمائِمُ حيث لا
 
  فرقٌ لرأسِ النخلِ و الأنصالِ

فجرٌ يطفِّفهُ المساءُ ولم يَزَل

 

 

يربو ليقهرَ خِدعةَ المكيالِ

يتلمَّسُ الأيَّامَ، ينبِشُ جرحَها

 

  عمَّا تورَّطَ في يدِ الأنسالِ

وترَى غُبارَ الحُلمِ تكنسهُ الرؤى

  عن بعضِ أخيلةٍ و بعضِ جمالِ

وهُناكَ حيثُ العزُّ يجمَعُ شملَهُ

  ويمرُّ فوقَ العابرينَ خِلالِي

وقفَ الجوادُ بأضلعِي فتساءلت

  كُلُّ الحقيقةِ عنهُ فِي أوصالِي

ما اسمُ النصيبِ وهل لهُ ثانٍ يُقا

  سِمُ ما ارتمَى في القلبِ من أحمالِي؟

فأكادُ من فرْطِ التوجِّسِ ألتظي

  متكربلاً من شهقةِ الآجالِ

تمتدُّ بِي لغةٌ تُجعجعُ بِي هنا

  كَ على الصعيدِ بنبرتِي و خيالِي

يختلُّ سقفُ الكونِ مِن ميزانِها

  ويظلُّ متَّزِناً على مِثقالِي

وأعيذُ أيَّامِي بصحوِ غُدوِّها

  ممَّا تجذَّر فِي كرَى الآصالِ

 

حيثُ العراقُ تفرَّدَت بالسوسنا

  تِ المنهكاتِ الذابلاتِ قِبالِي

وتزيَّنت بالموتِ، إنَّ الموتَ خطُّ

  قلادةٍ في جيدِها المنثالِ

رسمَت بكفِّ المُبدعِينَ صمودَها

  وتمايزت مِن نصرِها المتتالِي

حيثُ الردَى قد شاقَهُ الطوفانُ يُغـ

  ـرقُ ما انبرى فِي سيلهِ المتعالِي

ما انجالَ فِي سُوحِ الكرامةِ موعدٌ

  إلاَّ تزيَّنَ بالدمِ السَلسالِ

وكأنَّمَّا أُطرُ المسافةِ لم تضِق

  حينَ استفاقَت غفوةُ الإقبالِ

وكأنَّما شطُّ الفراتِ مجَدِّفٌ

  نحوَ الحُسينِ بهيبةٍ و جلالِ

فأمِيطُ عن وجهِ القفارِ لِثامهُ

  ويضجُّ فِي جيبِ الرِمالِ سؤالي:

هل تستحِمُّ الشمسُ؟ هَل يتعطَّرُ الر

  ملُ المسافرُ فِي القميصِ البالِي؟

هل ينحنِي جذعُ السماءِ ليلقفَ الضـ

  ـوءَ الُمراقَ بصهوةِ الخَيَّالِ؟

مَاذا سيهرُبُ مِن دِنانِ العلقميِّ

  إذا انتشَى بالدمعِ ثغرُ خَيالِي؟

أنا كُنتُ حَولَ مساربِ الأحلامِ أحـ

  ـصي العِزَّ فوقَ مطامحِ الأجيالِ

ورأيتُهُ يهَبُ الرِمَالَ نوارِساً

  طارت تُعانِقُ بسمَة الشلاَّلِ

فرداً يقُصُّ على مسامعِ دهرِنا

  قصصَ الفِداءِ و نهضَةَ الإجلالِ

عارٍ مِنَ الأحلامِ وهوَ يخِيطُها

  للفجرِ مِن يدِ خِلَّةٍ و دَلالِ

مازالَ يعجُنُ فِي الترابِ إباءَهُ

  بالحُبِّ شكَّلَ عِزَّةَ الصلصالِ

لوسادةٍ فِي الرملِ هَرَّبَ جُرحَهُ

  متقلِّباً فِي سجدَةِ الأبطالِ

فتكادُ من غيظٍ تمِيزُ مواجِعاً

  كَم مِن حُسامٍ كافِرٍ و نِبالِ

اللهُ من حُرٍّ تناسلَ عزمهُ

  متمرِّداً فِي عُقدَةِ الأغلالِ

اللهُ من قلبٍ تثلَّثَ عَطفهُ

  فزهَا أريجُ الحبِّ بالأوصالِ

جرحٌ يُسافرُ في السماءِ نزِيفُهُ

  متسلَّقاً من سلَّمِ الآمالِ

مازال يفتحُ للسنينِ نوافذاً

  بالعطفِ تحرِجُ قسوةَ الأقفالِ

 

 

خارِطَةٌ أُخرى للوجع !

 

 

يـا سـؤالاً عـلـى شـفـاهِ الـمـرايـــــــا

وانـعـكـاسًـا عـلـى يـقيـنِ الضحايـــا

 

يـا شُـعـاعًـــا مِنَ الـغيـــوبِ تـدلَّــــى

كُـنـتَ حُـلْـمًـا عـلـى جِـراحِ الرزايــا

 

نــغــمٌ مـن فــمِ الــسَّــمـــاءِ تــنــزّى

فاصطفـتـْكَ الـسنـيـنُ حُـزنًـا ونايــا

 

كُـنـتَ فـردوسَـنـــا الذي ما سـكـنَّـاهُ

وخُــنَّــاهُ فـي جـحـيــمِ الـخطـايـــــا

 

وابـتـدعـنـاكَ فـكـرةَ الـوهمِ خُـسْـرًا

نحنُ والـوهـمُ والـسـرابُ حـكـايــا

 

واخـتـزلـنــاكَ في الخُـرافـةِ طقسًــا

واحـتـكـمْـنا إلى ظـنـونِ الخبـايــــا

 

واحـتـكـرنــاكَ في المنابِرِ طيـفًـــا

أثَّثَ الحقدَ في اختلافِ الـزوايـــــــا

 

فـئـويـّونَ في الـجـهـاتِ تفرَّعنــــا

انـقـسـمـنـا كما انقسامِ الـخـلايـــــا

 

قـد صلبـنـاكَ في الـدمـوعِ غريـبًـا

غُـربـةَ الـمــاءِ في رمالِ الشظايــا

 

أيّـهــا الواهِبُ القلوبَ اشتعالَ الـ

جمرِ هلاَّ أسرجتَ عـقْـلَ الحنايــا

 

غـلَّفتْـنـا الظلماءُ في الـجهـلِ عُمرًا

وأضعنا في الضوءِ حُلْمَ الـمرايـــا

 

ما اقـتـفـيـنــا جراحَكَ الحُمْرِ , إنّــا

قـد تـبِـعنـا الهـوى وسوءَ النوايــــا

 

إنَّــنــــا والــغـــيــــــابُ تـوأمُ فـقـدٍ

مُذْ فقدناكَ في السُّرى والـسـرايـــا

 

بـاعـدَتْـنــا أوهامُنــا عن جِراحاتِـكَ

ضـِعــنــا على دروبِ الـبـلايــــــــا

 

واسـتـبـدّت بـنـا ريــاحُ الـتـشـظّــي

وانـتـمـيـنـا إلى الـشـتـاتِ سـبـايــــا

 

غـفـلـةُ الـعـقـلِ سـوّرتـنـا ضـيـاعًـــا

مـنـذُ كُــنــّا على الـحـيـاةِ بـقــايــــــا

 

فـانـتـهـيـنــا إلى الـخـنـوعِ وكُـنّـــــا

ثورةَ البؤسِ وانــكــســارَ الـثـنـايــا

 

سـامـحِ الـحُـزَن سـيّدي , لَـوْ تــمــادَى

– في بُكاءِ الضميرِ – جرحُ الوصايــا

 

أنتَ في الكونِ والمدى دربُ وعـيٍ

ملكوتُ السَّنـا وغيبُ الـخـفـايــــــــــا

 

في غَيابةِ الحُب

بين يدي ضريح سيدي أبي عبدالله الحسين (ع) خطبٌ وخطاب

 

يا ليتنا فوقَ الرخامِ نذوبُ
 
وعلى الضـريحِ مواجعٌ وقلوبُ
  
يا ليتنا ذرٌّ على أعتابهِ
 
يلهو بنا ذهبٌ، ويعبثُ طيبُ
  
قد مضَّنا شوقٌ لـ (يوسفِ) عشقنا
 
فمتى لـ (كنعانِ) الوصالِ نؤوبُ؟
  
ذئبُ المصائبِ لم يعُد بقميصهِ
 
بدمٍ جرى، لم تفترسْهُ نيوبُ
  
بل جاء ينزفُ بالظلامة جرحهُ
 
فدمُ الحسين على السما مسكوبُ
  
ما عادَ إخوته سوى برؤوسهم
 
وجسومُهم باهى بهنَّ كثيبُ
  
يا (يوسفَ) العُشاقِ رفقاً، قد ذوتْ
 
منا العيونُ، فكُلنا يعقوبُ
  
حَزَناً عليكَ عيوننا مبيَضّةٌ
 
كم ذاب من جزعٍ بنا(أيوبُ)
  
امدد لنا حبل الوصالِ فبئرنا
 
فيه القوافلُ ضجةٌ ونحيبُ
  
خبّئ (صواعك) خفيةٍ في جرحنا
 
ودَعِ (المؤذِّن) في نداه يخيبُ
  
لن نبرحَ الأرض التي شجَّرتَها
 
بالعاشقين، إذ الغرامُ قشيبُ
  
إنا سرقنا بعض حبك فاسترق
 
من ذاقَ فيك الرِقَّ، كيف يتوب؟
  
***
وحملتُ آمالي على فرسِ الهوى
 
تِلقاء (مديَنِكَ) العظيمِ أُنيبُ
  
أنا يا (شعيبَ) هوايَ جئتُ يقودني
 
بخطى الحياءِ تلهُّبٌ ولهيبُ
  
أنا قد أتيتكَ هارباً من أمةٍ
 
فاحتْ هزائمها، ولاحَ غروبُ
  
وأتيتُ أرضك خائفاً مترقباً
 
ذلاً يُلاحقُ أمتي ويَعيبُ
  
إني لما أنزلتَ بي من نعمةٍ
 
وكرامةٍ متلهفٌ ورغيبُ
  
خُذني إليكَ أتمُّ (عشـرك) خادماً
 
وأزيدُ، لا عتبٌ ولا تثريبُ
  
إحدى اثنتيك أريدها لي غيمةً
 
أحيا بها، إنَّ الطريقَ جديبُ
  
شرفُ الشهادةِ في قوافل (كربلا)
 
حيثُ الخلودُ مع الحسين يطيبُ
  
أو عزةٌ أسمو بها وكرامةٌ
 
فيها تفانت أنفسٌ وشعوبُ
  
ألقيتُ أحلامي زجاجةَ آملٍ
 
في بحر جودكَ، كيف كيف أخيب؟!
  
***
يا سيدي عُذراً إذا لم يبتسم
 
وجه القصيدة، فالنشيدُ نحيبُ
  
«نحن الحسينيون»، ذاك شعارنا
 
لكنه (شمّاعةٌ) وهروبُ
  
هذي دماؤك مزّقت أشلاءنا
 
فبكل عام يا حسين- حروبُ
  
بعنا دماءك بالشقاقِ وبالشقا
 
فالكل عن وطنِ الإخاء غريبُ
  
صرنا نقاتلُ بعضّنا في بعضنا
 
ولنا عدوٌ شامتٌ وطروبُ
  
(رادودُنا) تُهَمٌ بصوتِ رصاصةٍ
 
والشتمُ في بيتِ الحسينِ (خطيبُ)!
  
صار اختلافُ الرأي آفَتنا التي
 
أكلتْ حصادَ (الطفِّ) وهْوَ خصيبُ
  
أتُرى تآكلنا الصـراعُ فلم يزل
 
يجتاحنا نصَبٌ، وشاعَ لغوبُ؟
  
كلٌ رمى كبدَ الحقيقةِ زاعماً
 
لكنه كبدَ الحسينِ يصيبُ
  
***
يا من هتفتم بالحسين وسيلةً
 
لا تخذلوهُ، فما هُناك (حبيبُ)
  
عُدنا لكوفةِ أمسنا في غيِّنا
 
فتنازعتنا أوجهٌ ودروبُ
  
كلٌ يحرضُ للقيامِ (حسينَهُ)
 
لكنه في (كربلاهُ) غريبُ
  
نحتاجُ أن يأتي (حسينٌ) فاتحاً
 
أرض (العراك)، فأنصتوا وأجيبوا
  
نحتاجُ (للعباسِ) يسقي ذلَّنا
 
عزاً هنيئاً، فالضميرُ جديبُ
  
قوموا لنحيي بالوئام قلوبنا
 
ونعيدَ مجداً بالإخاء يطيبُ
  
ولنكتب التاريخ من أحضاننا
 
فالبغض في عرف الرواةِ كذوبُ
  
فإذا صفتْ أرواحكم، طَهُرَ الولا
 
ولئن سألتُمْ فالحسين يجيبُ
  

 

أسئلةٌ معلقةٌ في سماءِ الحسين

 

 

أسائلُ الموتَ : هلْ في الموتِ مُرتَجعُ

إلى الحـياةِ، وهـل في الجرحِ مُتسَّعُ

هل في البداياتِ أسـرارٌ بلا زمـنٍ

هل في النهاياتِ مجدٌ لـيسَ يـنقطعُ

وأسألُ الحزنَ في عينيكَ مُــشتعلاً

كأنهُ مِنْ خيوطِ الـغيبِ يــلتمعُ

أيـُـشرقُ اللهُ في نحرٍ يـفيضُ دماً

أبهجةٌ في نـزولِ الـدمعِ تــرتفعُ

أغُربةٌ أنْ تـكونَ الروحُ في وطـنٍ

مِنَ السماءِ التي في العشقِ تــنتجعُ

أيصنعُ الجرحُ نوراً لا حــدودَ لهُ

كـلؤلؤٍ نـبويٍّ لـيسَ يُـصطنعُ

أيبدعُ الثائرونَ النــزفَ أغـنيةً

مـتى التلاحينُ في المأساةِ  تُـبتدعُ

أيظهرُ الـوجعُ السامي غديرَ رُؤىً

أيملأُ الأرضَ  ورداً  ذلـكَ الوجعُ

أحزنُكَ المأتمُ الكونيُّ، هلْ لــغةٌ

في نسجها الـنعيُ والأعراسُ تجتمعُ

 

وأسألُ الماءَ: هلْ يرويكَ مِنْ عطشٍ

أمْ أنـتَ تـرويهِ ماءً مِــلؤهُ ولعُ

وهل تـشيخُ حكاياتٌ مـرفرفةٌ

مِـنْ غـيمةِ الملكوتِ الحرِّ ترتـضعُ

وهل تجيءُ مِنَ الأشواقِ، مِنْ وَلَهِ

الـعُشَّاقِ، مِنْ وَجَعِ الأوراقِ تندفعُ

أَيبدأُ الشعرُ مِنْ كَفّيكَ،مِنْ دَمِكَ

المسفوكِ،يا لدمٍ بالشعرِ مُــنطبعُ!

ياكمْ تسيلُ على الأشياءِ مُجترحاً

وحيَ الحقيقةِ، لا زيـفٌ ولا خُدَعُ

أتستغيثُ وتدعو، لا ترى أحـداً

إلا بــنيكَ وأصـحاباً بهم ورعُ

 

أقـولُ:هذا يقيني فيكَ مـشتبكٌ

في حضرةِ الشكِّ يستقصي ويخترعُ

آمنتُ بالدمعِ في عينيكَ مـنتصراً

آمنتُ بالحزنِ حتى قيلَ : مُـبتدِعُ

ألم تكنْ رحلةً للموتِ فارتحلتْ

للهِ  أعـمدةَ الـطغيانِ تـقتلـعُ

 

 

وأسألُ الرأسَ: يا للرأسِ كَمْ جسدٍ

حُــرٍّ ستلبسُ،كَمْ عُمْرٍ ستـتسعُ

أكنتَ مستعصياً كالموجِ كنتَ فماً

في كـلِّ شبرٍ لهُ صوتٌ ومـستمعُ

أأنتَ أجيالُ رَفْضٍ، نارُ مـلحمةٍ

لاءاتُها لم تـزلْ تسمو وتـندلعُ

وكيفَ تنظرُ أبـناءً مُــذبَّحةً

فلا تخافُ، ولا يـدنو لكَ الجزَعُ

وهمْ يخافونَ منكَ الظلَّ،كيفَ تُرى

هلْ كانَ يُقذفُ في أرواحـهمْ فَزَعُ

وتلكَ أسئلةٌ تُـلقي حـكايـتها

إلى الذين حشاهمْ فـيكَ مُـفتجعُ

إلى هناكَ ..إلى الآتينَ مِنْ غـدهمْ

إلى هـوىً، لا زمـانٌ فيهِ  أو رُقَعُ

 

كربلاءُ نُبوَّةُ الألواح

 

في كربلاءَ نثرتُ بَعْضَ جراحي
كنبوةِ الإيحاءِ في الأرواحِ
 

أَرْضٌ يَمُطُّ الظِلُّ فيها طَرْفَهُ

فتراهُ مفتونًا بوجْهِ صباحِ
 

فيها ابتكارُ الضوءِ وَهْوَ مجرَّدٌ

يكفي الحقيقةَ سهرةُ المصباحِ
 

كَتَبَتْ على جَسَدِ السماءِ حروفها

إنَّ السهامَ نبوةُ الألواحِ
 

ملأى حقائبها بثقْلِ أُلوهةٍ

تمشي وَلَمْ تَعبْأْ بِعَصْفِ رياحِ
 

هي كربلاءُ عبارةٌ منحوتَةٌ

بِفَمِ الخلودِ وسُحنَةِ الإصلاحِ
 

هي كربلاءُ نشيدُ كلِّ بطولةٍ

لم تقتصرْ يومًا ببعض نُوَاحِ
 

وعلى سلالِ المستحيلِ تَلَوَّنتْ

سَعَفَاتُها في شهقةِ الأدواحِ
 

يتسربُ الزيتُ المعبأُ بالندى

في مقلتيها مِنْ فَمِ “ابن رباحِ”
 

يتوكأ الرَّملُ السنابلَ لحظةً

ويشي بِفَضْحِ شهيةِ الأقداحِ
 

غَرَسَتْ بفاكهةِ النحور سيوفَها

وَتَوّرَّقَتْ مِنْ أسهمٍ ورماحِ
 

وتشجرتْ لغةُ الفداءِ بثغرها

إنَّ الطفوفَ خطيئةُ الأملاحِ
 

ما جَفَّ مِنْ ظَمَأِ البياضِ إناؤها

سكبَ الطهارةَ فوقَ ذَلَّ جناحِ
 

يا كربلاءُ وَأَيُّ جُرْحٍ خالدٍ

زَمَّ المماتَ بنبرةِ الأشباحِ
فدمُ الحسينِ نوافذٌ مفتوحةٌ
نحو الضمائر في ألذِّ مراحِ
 

 

 

 

 

 

 

 

يا كربلاءُ رِدِيْ دلاءَ مواجعي
بئري معطلَةٌ وأنتِ طِماحي
 

لَنْ ينحني جِذْعي لأَوَّلِ طعنةٍ

قاسمْتُها خبزَ الهوى بأضاحِ
 

أنا آخرُ الكلماتِ فوقَ ردائها

نبضي يغارُ لِنَفْثةِ المُدَّاحِ
 

قلبي يقاسمُ كربلاءَ لهيبَهُ

ثغري حسينُ ، ومدمعي فضّاحي
 

لاتذكروا لي كربلاءَ لوحدها

هل يُذْكرُ الأبطالُ دونَ كِفاحِ
 

سأزورُ ذاتي إنْ شَممَتُ ترابها

فتقولُ لي ما حيلةُ التفاحِ
 

مطبوعةٌ رئتي على أَنْفاسها

وَشْمًا ولفظةُ ” ياحسينُ”وشاحي
 

وأقولها” لبيكَ إِنِّي في الهوى

أشتاقُ حتى مِدْيةَ الذَّبّاحِ
 

لن يُسكتوا صوتي فبين أضالعي

“عباسُ” يَحْرثُ بالإبا أَمْلاحي
 

أنا والحسينُ ، وكربلاءُ قصائدٌ

عطشى تَشَرَّبَها الظَّما بقراحِ
 

أنا في الطفوفِ وفي سنابلِ وعيها

فأسٌ يهيمُ بحكمةِ الفلاحِ